اسباب تراجع بريطانيا عن الانضمام لمجلس ترامب من أجل السلام

مراسلو الجزيرة
Published On 24/1/202624/1/2026
|
آخر تحديث: 13:36 (توقيت مكة)آخر تحديث: 13:36 (توقيت مكة)
لندن- اختارت بريطانيا، التي تُعد حليفاً تاريخياً وثيقاً للولايات المتحدة، تجاهل دعوة الرئيس دونالد ترمب للانضمام إلى مجلس السلام في غزة، في وقت يشتد فيه الجدل بين النخب السياسية البريطانية بشأن مدى مناسبة التردد في حجز مقعد ضمن هيكل سياسي دولي يُتوقع أن يمتد تأثيره إلى ما هو أبعد من إدارة شؤون المنطقة المحاصرة، ويعكس عدم اصطفاف بريطانيا هذه المرة مع الحليف الأمريكي الذي وقفت إلى جانبه لعقود في حربي العراق وأفغانستان، وإن كانت قد دعمت رؤيته في معالجة أزمات الشرق الأوسط، فإن هذه الخطوة تُشير إلى مرحلة جديدة تعيد فيها لندن مراجعة حساباتها الإستراتيجية، وتعيد النظر في طبيعة علاقتها بالولايات المتحدة، في ظل الهزة التي تضرب التحالف الغربي.
توجّس حذِر
تحفظت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، على الانضمام “الفوري” لبريطانيا إلى مجلس السلام، مشددة على أن ميثاقه الذي وقّع عليه ترمب – على هامش منتدى دافوس – يُعتبر معاهدة قانونية حساسة تتطلب دراسة دقيقة، بينما تنخرط بلادها في النقاش والتنسيق مع الحلفاء الدوليين، وفي ظل الشكوك حول الأهداف التي تسعى الإدارة الأمريكية لتحقيقها من وراء إنشاء هذه البنية السياسية الدولية، أشارت كوبر إلى أن المجلس يتوسع في طرح قضايا تتجاوز مجرد إعادة إعمار غزة، وأبدت قلقها من دعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للانضمام، في وقت يستمر فيه في الحرب بأوكرانيا، ويتقاطع التوجس البريطاني مع القلق في العواصم الأوروبية من الصلاحيات الواسعة والغامضة للمجلس، حيث تتزايد المخاوف من أن يُؤسس ككيان دولي موازٍ للأمم المتحدة ينافس اختصاصاتها، فيما تتمتع بريطانيا وفرنسا بعضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي، بينما يؤكد المسؤولون البريطانيون والأوروبيون أنهم يدعمون خطة ترمب للسلام في غزة، تتعامل الحكومة العمالية بحذر شديد مع المبادرة الأمريكية، متجنبة توجيه نقد صريح لها، بعد أن قابل الرئيس الأمريكي الرفض الفرنسي العلني للانضمام بالمخاوف بشأن فرض رسوم جمركية تتجاوز 200% على النبيذ الفرنسي.
أبعد من غزة
يبدو أن نهج تجنب الصدام المباشر مع الرئيس الأمريكي، والإصرار على لعب دور الوسيط التقليدي بين واشنطن والشركاء الأوروبيين، لم يعد مجديًا، حيث ترتبك الدبلوماسية البريطانية في التعامل مع التصعيد الأمريكي غير المسبوق ضد الحلفاء في الناتو بعد إعلان ترمب رغبته في الاستيلاء على جزيرة غرينلاند، وفيما يُثير وجود رئيس الحكومة العمالية السابق، توني بلير، ضمن المجلس التنفيذي ضغوطًا إضافية على كير ستارمر، الذي تبادل خلال الأيام الماضية انتقادات غير مسبوقة مع حليفه دونالد ترمب بشأن الانسحاب من جزيرة في المحيط الهندي، أشار رئيس الوزراء البريطاني إلى أن هذه الانتقادات تساهم في الضغط عليه بسبب موقفه الحازم من قضية غرينلاند، ويرى الباحث في شؤون الشرق الأوسط في المركز الأوروبي للعلاقات الخارجية، هيو لوفات، أن تشكيل المجلس يتزامن مع لحظة جيوسياسية مشحونة بالتوتر، حيث لم تعد الولايات المتحدة الحليف الأطلسي التقليدي، مما يعقد حسابات بريطانيا ويدفعها لإعادة التفكير في دورها كوسيط بين الأوروبيين وواشنطن، ويُرجح أنه في ظرف جيوسياسي مختلف، كانت بريطانيا ستسعى للمشاركة في عضوية المجلس، مشيرًا لوفات إلى أن البريطانيين والأوروبيين لا يخفون مخاوفهم تجاه طبيعة صلاحيات المجلس، والغموض الذي يكتنف آليات عمله، إلى جانب شكوكهم بشأن حجم التأثير الممكن ممارسته في ظل الهيمنة الأمريكية على مفاصله.
يشدد الخبير البريطاني على أن بريطانيا ليست في وارد التخلي عن دورها في القضية الفلسطينية، لما لها من أهمية في استقرار الشرق الأوسط، لكنها في سياق إعادة فرز التوازنات والاصطفافات، وقد تدعم بالتعاون مع المانحين الأوروبيين الأطراف الفلسطينية بشكل مباشر، من جهته، يقول رئيس “المركز البريطاني لمستقبل العلاقات عبر الأطلسي”، كريس دويل، إن البريطانيين يدركون أن المجلس ليس معنيا بإدارة قطاع غزة بعد الحرب، ولكن يسعى لصياغة وضع جيوسياسي جديد، يجبر ترمب الأوروبيين على الجلوس على طاولة واحدة مع الرئيس الروسي، ويجردهم من أي هامش للقوة، ويشير دويل إلى أن مجلس السلام لا يعكس زخماً دولياً لحل القضية الفلسطينية، وإنما يُعبر عن بنية سلطة عالمية جديدة، يحتل هرمها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي يستحوذ على سيادة القرار داخلها، ويُلزم الدول الراغبة في الانضمام دفع ما يُقدّر بمليار دولار، فيما يملك ترمب الحق في سحب الدعوة للمشاركة بناءً على نوازع تسلطية.
صلاحيات مقلقة
لم تستبعد مسؤولة السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، انضمام دول أوروبية للعضوية في المجلس إذا اقتصر نطاق عمله على غزة فقط، بينما أكد رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، أن القادة الأوروبيين لديهم شكوك حقيقية بشأن طبيعة المجلس، حيث يتوجس الأوروبيون والبريطانيون من إضفاء الشرعية الديمقراطية على مجلس قد يستأثر ترمب برئاسته مدى الحياة، وأثار قرار الحكومة العمالية في سبتمبر/أيلول الماضي الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة ردود فعل أمريكية وإسرائيلية غاضبة، بينما تسعى بريطانيا -إلى جانب دول غربية أخرى- للانخراط في جهود دبلوماسية بديلة لدعم السلطة الفلسطينية وإعادة هيكلتها، بعد إعلان نيويورك الذي قادته السعودية وفرنسا من على منصة الأمم المتحدة لإحياء حل الدولتين.



