المبادرة الصينية الباكستانية.. هل تكون وسيلة إنقاذ لترامب في مواجهة تصاعد التوترات مع إيران؟

مع دخول الحرب أسبوعها السادس واقتراب انتهاء الوقت المحدد للإنذار الأمريكي الأخير، تبرز حاجة الإدارة الأمريكية إلى دعم دبلوماسي يعيدها من مأزق الاستنزاف المستمر، ويمنحها فرصة لتسويق تراجعها الاضطراري كنجاح استراتيجي يُرضي الرأي العام.
خلال الأسبوع الثالث من حرب إيران، تلقى الرئيس الأمريكي تحذيرًا “مقلقًا” من مستشاريه؛ إذ أظهرت استطلاعات رأي أجراها توني فابريزيو، مستشار استطلاعات الرأي الخاص بـ”ترامب”، أن الحرب أصبحت “غير شعبية” بشكل متزايد.
تشير مجلة “تايم” إلى أن رئيسة موظفي البيت الأبيض، سوزي وايلز، دعت مساعدي الرئيس إلى تقديم الحقائق بموضوعية بدلًا من تقديم “نظرة وردية”، مُحذرة بأن الوقت ينفد.
في هذا السياق، أفاد حلفاء الرئيس الأمريكي بأن “ترامب يبحث عن وسيلة لإعلان النصر ووقف القتال”.
الهروب من المذبحة واستغاثة محفظة الناخب
وفقًا لما نقلته “تايم”، أكد مستشاران للرئيس وعضوان في الكونغرس أن ترامب عبّر عن رغبته في إنهاء حرب إيران بشكل تدريجي، خوفًا من أن تؤدي الحرب الطويلة إلى تآكل فرص الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي.
تشير مجلة “نيوزويك” إلى أن الحزب الجمهوري يواجه خطرًا حقيقيًا بفقد السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ بسبب ارتفاع نسبة عدم الرضا عن أداء الرئيس إلى أكثر من 56%.
تزامنًا مع ذلك، صرح الخبير الاستراتيجي مات كلينك بأن إنهاء الحرب “يجب أن يتم بسرعة وبشكل مواتٍ” لإنقاذ الحزب، خاصة مع ارتفاع أسعار البنزين بنسبة 19% وتصاعد الانقسام داخل الحزب حول جدوى هذه الحرب.
تبرز هنا المبادرة الصينية الباكستانية كحل سياسي وأيديولوجي مهم، حيث تتيح للرئيس الأمريكي تسويق قبول بنودها كاستجابة سريعة تعيد الاستقرار للأسواق، وتحقق وعود “أمريكا أولًا” التي تهم الناخبين.
في هذا السياق، يوضح الدكتور مايكل جوناثان جرين، الرئيس التنفيذي لمركز دراسات الولايات المتحدة، أن الدعم الشعبي للحرب، التي بدأت لدعم “جيش الاحتلال الإسرائيلي”، لم يتجاوز 40%.
ويؤكد أن أسعار النفط قد لا تعود لمستوى “72 دولارًا للبرميل” في العامين الحالي والمقبل نتيجة الدمار الواسع في البنية التحتية، مما يسهم في التضخم الذي يؤثر على المزاج الانتخابي.
يدعم هذه النقطة تقرير شبكة “سي إن إن” الذي يشير إلى ارتفاع أسعار البنزين لأكثر من أربعة دولارات للجالون، مع انخفاض نسبة الرضا عن الأداء الاقتصادي للإدارة الأمريكية إلى 31% فقط.
بناءً على هذه المعطيات، تتجلى المبادرة الآسيوية كطوق نجاة انتخابي يمنح واشنطن “نقطة توقف منطقية” قبل أن يتصلب غضب الشعب، لذا قد يستغل ترامب بند “إعادة فتح مضيق هرمز” لتأمين إمدادات جزيرة “خرج”، مُعلنا النصر في معركة الطاقة، معتمدًا على أن هدوء الأسواق، وإن كان مؤقتًا، سيكون كافيًا لإقناع الناخبين بقدرته على إدارة الأزمات.
الاستنزاف اللوجستي وفخ الإنزال البري في خرج
أما على الصعيد اللوجستي، تواجه آلة الحرب الأمريكية أزمة حادة حيث كشف مجلة “فورين بوليسي” أن حرب إيران استنزفت الذخائر الأمريكية التي تعتمد على “معدن التنجستن”، الذي تسيطر الصين على إنتاجه، والذي ارتفعت أسعاره بنسبة تتجاوز 500% منذ بداية الحرب.
يتطلب إنشاء سلاسل توريد بديلة فترة تتراوح بين 3 إلى 10 سنوات. وبالتالي، تتجاوز المبادرة الصينية الباكستانية كونها وساطة سياسية لتصبح طوق نجاة تقني، حيث تتيح لترامب إنقاذ ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية من ارتفاع الأسعار والانكشاف اللوجستي.
لذا قد ينجح الرئيس الأمريكي، بأساليبه البراغماتية، في تسويق هذه المبادرة كتعاون استراتيجي ناجح، بينما هو بالفعل يشتري الوقت لإعادة بناء الترسانة الأمريكية بعيدًا عن الابتزاز الصيني.
تشير مجلة “إيكونوميست” إلى أن الحرب قد استهلكت بالفعل ثلث المخزون العالمي من صواريخ “توماهوك”، ما يعادل 850 صاروخًا، بالإضافة إلى تدمير العديد من الأصول الاستراتيجية.
كذلك، تلاحظ أن الدائرة المحيطة بالرئيس الأمريكي تضم محاربين قدامى شاركوا في حروب الشرق الأوسط، مثل نائبه جيه دي فانس ووزير دفاعه بيت هيجسيث، والذين يعتبرون هذه الحرب “حماقات كبرى”.
وبذلك، تمثل المبادرة الآسيوية فرصة مثالية للنزول عن شجرة التصعيد العسكري، بحماية ترامب لموقعه الاستراتيجي، مُعززا الحاجة الملحة للحفاظ على السلاح إلى نصر تكتيكي يحقق أهدافه.
وفي ما يتعلق بكابوس العمليات البرية، تؤكد مجلة “إيكونوميست” أن احتلال جزيرة “خرج” الإيرانية المتقدمة عسكريًا يحتاج إلى إنزال برمائي وجوي معقد، سيواجه التحديات المتمثلة في الألغام والدفاعات الانتحارية.
يُحذر التقرير من قدرة طهران على استنزاف القوات الأمريكية بمئات الصواريخ والطائرات المسيرة، مما سيستهلك الذخائر المتاحة، في سيناريو معقد يتجاوز ما يواجهه “جيش الاحتلال الإسرائيلي” في جبهات أخرى.
تُعزّز هذه الحقائق من موقف المبادرة التي تمنح ترامب البديل الدبلوماسي لفتح مضيق هرمز دون تعريض الجنود لخطر “فخ نورماندي” آخر، مما قد يُسهل عليه تسويق المبادرة كوثيقة تسليم لا مفر منها.
يتحدث الرئيس الأمريكي عن حشده العسكري وفرق المظليين كعامل ضغط يجبر طهران وبكين على التحرك، محولا عجزه العملياتي عن اقتحام الجزيرة إلى إنجاز تفاوضي يحقق الهدف بأقل تكلفة ممكنة.
معضلة النصر وتعرية خطة الـ15 نقطة الأمريكية
تتجلى في كواليس واشنطن أزمة خانقة تتعلق بمقاييس النجاح في الحرب، إذ وفقًا لمجلة “ذا أتلانتيك”، يعاني ترامب من إحباط بسبب الفجوة في مقاييس النصر، بينما تعتمد واشنطن على تدمير القدرات العسكرية، ترى طهران أن النجاح يكمن في الصمود والقتال.
وطرح الدبلوماسي الإيراني السابق حسين موسويان مفارقة سيكولوجية تتمثل في صفقة مُقترحة تقوم على مبدأ: “أنتم تحافظون على كبريائكم، ونحن ندمر جيشكم”.
يعكس الدكتور مهدي عفيفي، عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي، رأيه من خلال تأكيد أن خطة الـ15 نقطة الأمريكية مُجحفة، معتبرة طلبًا لـ”الاستسلام التام”، وهو ما ترفضه طهران.
ويصف عفيفي المبادرة الصينية الباكستانية بالخمس نقاط بأنها جاءت “على استحياء” لأنها تتصادم مع شروط ترامب غير القابلة للتطبيق.
لذا، فإن المبادرة الآسيوية الخماسية تقدم لترامب المسرح المثالي للهروب من فخ خطته التعجيزية، وقد يسوقها كـ”وثيقة استسلام فنية”، مُدعيًا أنه حقق من خلالها الجزاء العسكري، مع ترك “كبرياء الصمود” للخصم، مما يحول فجوة التفاوض إلى صفقة سياسية لإنهاء المأزق.
صناعة النصر من “العدم والهروب من الأنين”
على الصعيد الإعلامي والنفسي، تشير شبكة “سي إن إن” إلى أن حرب إيران قد تنتهي بـ “أنين لا بانفجار”، أي عبر مسار المفاوضات بدلاً من الحسم العسكري.
وتؤكد الشبكة أن الرئيس الأمريكي يستطيع “استنباط أفكار من العدم” لبناء نصر دبلوماسي، في سعيه نحو “تلميع قشرة عدم القهر”.
تدعم مجلة “فورين أفيرز” هذا الطرح، إذ تشير إلى تركيز ترامب على تحسين إرثه، مُحاولا محاكاة “الحرب الصغيرة الرائعة”، في حين تفضل طهران حرب استنزاف طويلة تعتمد على سيكولوجية “الأسد الجريح”، مرهونة بقدرتها على تحمل الألم.
بينما يُشير مقال “تايم” إلى الضغوط المستمرة من بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، الذي يدعو لإتمام ما بدأته إسرائيل، بينما يرى ترامب أن هذا التوقف يعتمد عليه.
من هنا، قد يستخدم ترامب المبادرة الصينية الباكستانية كنقطة انطلاق لبناء انتصاراته ديبلوماسياً، عبر تلميع قوته ورفض نهاية صراعه العسكري.
حرب إيران.. فخ الاستسلام غير المشروط وخدعة العتبة النووية
تكمن المعضلة الأكبر في الأهداف المعلنة، حيث تحذر مجلة “فورين بوليسي” من أن طلب “الاستسلام غير المشروط” يعد فخًا يُطيل أمد الحروب.
توضح المجلة أن رهان واشنطن على تغيير النظام الإيراني قد فشل، حيث أثبتت طهران قدرتها على التكيف مع التغيرات السياسية.
في تقرير آخر، تؤكد “فورين بوليسي” أن إصرار ترامب على نزع “الغبار النووي” هو مهمة محفوفة بالمخاطر، قد تكون “خارج قدرات أمريكا” الحالية.
وعلى الجانب الآخر، في تناقض واضح، نقلت وكالة “رويترز” عن ترامب زعمه تحقيق “انتصارات ساحقة”، مهددًا بإعادة الخصم إلى “العصر الحجري”، مُدعيًا أن ضرباته توقفت طهران عند “عتبة السلاح النووي”.
في هذا الإطار، قد تُساهم المبادرة الصينية الباكستانية في حل هذا التناقض، حيث من المحتمل أن يعتمد ترامب على بنود خاصة بحماية المنشآت النووية ليدّعي إنه نجح في تأمين “الغبار النووي” بشكل سلمي، متجنبًا مهمة عسكرية قد تفوق قدراته.
وبهذا، سيستخدم ترامب لغة “الانتصارات الساحقة” لتغليف تخليه عن وهم “الاستسلام غير المشروط”، مُسوِّقًا قبوله بالوساطة كدليل على نجاحه في حمل الخصم على الاستجابة للتهديدات.
نزيف التريليونات وتأديب حلفاء في الناتو
اقتصاديًا وجيو سياسيًا، تواجه الإدارة الأمريكية تهديدًا بالوجود لمكانتها المالية، حيث يكشف تقرير لمجلة “فورين بوليسي” عن مفارقة مرعبة، إذ تحمل الحلفاء 90% من تكاليف حرب 1991 وخرجت واشنطن في تلك الحرب “بربح”، بينما تجد نفسها اليوم وحيدة في ساحة المعركة.
الأخطر هو تقرير يرصد استعداد دول الخليج لإعادة النظر في استثماراتها، التي تقدر بـ 3 تريليونات دولار، في القطاعين التكنولوجي والعقاري الأمريكي.
تشير المجلة إلى أن النفوذ الأمريكي يشبه “وهجًا باهتًا” في ظل المنافسة الصينية القوية على أموال النفط.
هذه المخاوف تتوافق مع تقرير شبكة “سي إن إن” الذي يرصد استياء ترامب الشديد من حلفائه في حلف الناتو، ووصفهم بـ”نمر من ورق”، متحديًا إياهم بالذهاب إلى المضيق: “اذهبوا وخذوه بأنفسكم”.
ربطًا بهذه المعطيات، تشكل المبادرة الصينية الباكستانية “طوق نجاة” مالي لمنع كارثة اقتصادية، إذ توفر فرصة لوقف هروب الثروات الخليجية.
إذا تم التوافق عليها، قد يسوق ترامب المبادرة كإجراء عقابي لحلفاء أوروبا المتخاذلين، مُحولًا التراجع إلى تطبيق حرفي لعقيدة “أمريكا أولًا”، مُعلنًا نجاحه في “تعهيد” عبء تأمين التجارة العالمية للقوى الآسيوية، مما يجعل المنافسين يتحملون التكاليف.
أكشاك الرسوم في مضيق هرمز وهندسة التنازلات
لتمرير هذا الخروج بأقل الأضرار المعنوية، تقترح مجلة “فورين أفيرز” حلولاً اقتصادية، مثل السماح لطهران وعمان بإنشاء “أكشاك رسوم رسمية” في المضيق لتمويل إعادة إعمار المناطق المتضررة، أو اقتراح تأسيس “آلية مشابهة لتلك السويسرية” تحت إشراف الخزانة الأمريكية.
إذا أُخذت هذه المقترحات بعين الاعتبار، قد ينجح ترامب في تسويقها كإنجاز يعفي دافع الضرائب الأمريكي من تكلفة إعادة الإعمار، مُدعيًا أنه أجبر الخصم على تحمل تكاليف خسائره بنفسه.
في الوقت نفسه، سيتم تسويق الآلية المالية المشروطة كدليل على استمرار السيطرة الأمريكية، مما يُظهر لجمهوره أنه ما زال يتحكم بـ”صنبور المال” لمنع توجيهه للأنشطة العسكرية.
مسار مسقط يفخخ طوق النجاة
على الرغم من كل هذه الترتيبات التسويقية، يبرز تحدٍ دبلوماسي آخر يهدد المخطط بأكمله، حيث يُوضح أفشار سليماني، السفير الإيراني السابق لدى أذربيجان، أن ترامب، المعروف بقدرته على “استخراج الزبدة من الماء”، قد يُستخدم هذا الملف كورقة رابحة.
ومع ذلك، يؤكد سليماني أن الأهداف الجوهرية للهجوم من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل تتلاشى خلف علاقات طهران مع مضيق هرمز، مما يجعل ترامب غير قادر، أو غير راغب، في استغلال المبادرة بشكل فعال.
يؤكد سليماني أيضًا أن طهران تسير نحو تنظيم عبور السفن عبر مضيق هرمز مع سلطنة عمان كجهتين ساحليتين رئيسيتين، مما يقلص فرص نجاح المخطط الباكستاني الصيني.
هذا المسار الموازي يضع واشنطن في مأزق جديد، إذ قد يستغل ترامب آلته الإعلامية لتسويق المبادرة الصينية كوثيقة خضوع، بينما يجد نفسه أمام واقع يتم فيه تنظيم الملاحة في المضيق دون شروطه، مما يقلص من قيمة أي انتصار مستقبلي ويجعل الإدارة الأمريكية تعاني من الاستنزاف بلا طوق نجاة حقيقي.



