التجنيد في الجيوش الأوروبية بين الإلزام والتطوع: تحليل شامل للواقع الحالي

باريس – تم إلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية في العديد من دول الاتحاد الأوروبي في أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، غير أن الحرب الروسية على أوكرانيا والتوترات الجيوسياسية العالمية دفعت العديد من الدول الأوروبية لإعادة النظر في هذه السياسة وإعادة فرض الخدمة العسكرية، بينما تبحث دول أخرى إمكانية ذلك.
لم تقم النمسا وقبرص والدنمارك وإستونيا وفنلندا واليونان بإلغاء التجنيد الإجباري أبداً، ومع ذلك، أثارت الأحداث الجارية منذ عام 2014 مخاوف بشأن الأمن القومي في الدول الأوروبية، خاصة الجوار الروسي.
في هذا السياق، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن نظام جديد للخدمة العسكرية “التطوعية”، حيث تهدف فرنسا ودول أوروبية أخرى إلى تعزيز قدراتها الدفاعية في ظل الظروف الراهنة.
تأتي هذه الخطوة بعد أن أعلنت بولندا وألمانيا عن خطط لتقوية الخدمة العسكرية، خاصة بعد التحذيرات التي تشير إلى صعوبة القدرة على الدفاع عن الدول الأوروبية في حال حدوث أي صراع أو هجوم.
فرنسا.. فرصة تطوع
حسب رؤية ماكرون، سيتاح للشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و19 عامًا التطوع في برنامج جديد يمتد لعشرة أشهر للخدمة في الأراضي الفرنسية أو الأقاليم ما وراء البحار، ابتداء من العام المقبل.
يتواجد في الجيش الفرنسي نحو 200 ألف جندي عامل وأكثر من 40 ألف احتياطي، ليكون بذلك ثاني أكبر جيش في الاتحاد الأوروبي بعد بولندا. تهدف الحكومة إلى زيادة عدد جنود الاحتياط إلى 100 ألف بحلول عام 2030.
استعدادات ألمانيا
يبلغ قوام الجيش الألماني حوالي 182 ألف جندي، وهو ثالث أعلى تعداد عسكري في أوروبا، وتهدف ألمانيا لاستقطاب المزيد من المجندين عبر خدمة عسكرية تطوعية جديدة.
تشترط هذه الخطة، التي تحتاج إلى موافقة البرلمان، أن يملأ جميع الذكور الذين تصل أعمارهم 18 عامًا استبيانًا، بينما تكون المشاركة للنساء طوعية. سيخضع المشاركون لفحص طبي اعتبارًا من عام 2027.
تهدف هذه الخطة إلى إضافة 20 ألف جندي إضافي خلال العام المقبل، ليصل العدد الإجمالي إلى ما بين 255 و260 ألف جندي خلال العقد القادم. كما يُمكن أن تستفيد الحكومة من نتائج الاستبيان لتحديد المجندين المستهدفين في حال اتخاذ قرار بشأن التجنيد الإجباري.
بولندا.. برنامج تدريب
تعد بولندا، التي تشترك مع أوكرانيا في حدودها الشرقية، أكبر جيش في أوروبا بوجود 216 ألف جندي، وقد أعلنت عن برنامج تدريب عسكري جديد للرجال لتحقيق زيادة قوامها إلى 500 ألف جندي خلال العقد المقبل.
تشمل الخطة برنامج تدريبي تطوعي لجميع المواطنين، يركز على الأمن والتدريب على البقاء والإرشادات الطبية، وتتطلع الحكومة إلى تدريب حوالي 400 ألف شخص بحلول عام 2026.
صرح رئيس هيئة الأركان العامة البولندية بأن البرنامج يهدف إلى تعزيز جاهزية قوات الاحتياط وقدرة المواطنين على الصمود.
الدانمارك.. انضمام النساء
يعتبر جميع الرجال الدنماركيين من سن 18 عامًا مؤهلين لأداء الخدمة العسكرية، بعد اجتيازهم اختبارًا صحيًا وآخر تحريري، ويتم تحديد المجندين عن طريق القرعة. خلال السنوات الأخيرة، تطوع معظم المجندين.
وبداية من عام 2024، ستبدأ النساء أيضاً في أداء الخدمة العسكرية بشكل إجباري لمدة 11 شهرًا بعد أن كان الأمر طوعياً سابقًا. قد انضم حوالي 4700 رجل وامرأة، حيث وصلت نسبة المتطوعات إلى 24%، مع توقعات بزيادة إجمالي المجندين سنويًا إلى 6500 بحلول عام 2033.
تملك الدنمارك تاريخًا عريقًا في التجنيد الإجباري يعود إلى العصر الفايكنغي، وقد اعتُمد الاعتراض الضميري منذ عام 1917.
بلجيكا.. عام إلزامي
تخطط بلجيكا لزيادة عدد جنود الاحتياط من حوالي 7 آلاف إلى 20 ألف جندي، حيث سيتلقى الشباب من سن 18 عامًا رسائل تُعلمهم بالخدمة العسكرية التطوعية، كما صرح وزير الدفاع.
يسمح هذا البرنامج بإضافة 500 جندي احتياطي اعتبارًا من عام 2026، بهدف تجنيد 5600 جندي احتياطي بحلول عام 2029.
سيتعين على المجندين الذين يختارون الانضمام للخدمة العسكرية الالتزام لمدة عام واحد، وسيحصلون على راتب شهري يقارب ألفي يورو، مع التزام بالبقاء في الاحتياط لمدة 10 سنوات لمن لا ينضمون بعد العام.
إسبانيا.. قوة مهنية
رغم تزايد المخاوف الأمنية، لا تعتزم إسبانيا إعادة العمل بالخدمة العسكرية الإلزامية التي ألغيت عام 2001، بل تعمل على توسيع نطاق القوات المهنية خلال العقد المقبل.
وفقًا لوزارة الدفاع، تتضمن هذه الإستراتيجية إضافة 14 ألف جندي بحلول عام 2035، مع وجود حوالي 150 ألف جندي نشط وأكثر من 3 آلاف جندي احتياطي متطوع.
النرويج.. خدمة انتقائية
تمتاز النرويج بنظام الخدمة العسكرية الانتقائية، حيث يُعتبر جميع الرجال والنساء من سن 19 مؤهلين للخدمة، مع اختيار 9 آلاف شخص فقط سنويًا من بين حوالي 60 ألف مرشح بناءً على معايير محددة.
تؤدي النرويج خدمة تجنيد ملزم لمدة عام واحد، وغالبًا ما يؤدي المجندون 12 شهرًا من الخدمة الأولية، بينما يتم إعفاء من لا يتمتعون باللياقة البدنية أو يعترضون بدافع الضمير.
تعتبر النرويج من الدول الرائدة في تطبيق نظام التجنيد المحايد على أساس الجنس، حيث تم استدعاء المجندات منذ عام 2015.
السويد.. تجنيد إجباري
استجابة لاحتلال روسيا لشبه جزيرة القرم، أعلنت السويد في عام 2017 إعادة تطبيق التجنيد الإجباري، حيث يتعين على جميع الشباب والسيدات البالغين 18 عامًا الخضوع لاختبار، وفي عام 2022 تم تجنيد 8 آلاف شخص.
يتراوح مدة الخدمة المجندين بين 9 و15 شهرًا، مع التركيز على تدريبهم في مجالات الأمن السيبراني ومهام حفظ السلام، وأعلنت الحكومة عن هدف زيادة عدد المجندين إلى 10 آلاف سنويًا.
تسمح السويد أيضًا للأشخاص الذين لديهم اعتراض ضميري بالالتزام بالخدمة المدنية.
فنلندا.. الدفاع الشامل
تخضع الخدمة العسكرية الإلزامية في فنلندا للرجال بين 18 و30 عامًا، حيث تتراوح مدة الخدمة بين 6 أشهر وسنة واحدة، وقد زادت نسبة النساء في الجيش بشكل ملحوظ مؤخرًا.
يرتبط نظام التجنيد بمبدأ الدفاع الشامل، الذي يهدف إلى إعداد جميع السكان للدفاع عن البلاد في حالة الحرب.
ليتوانيا.. نظام مختلط
بعد تبني قوة تطوعية محترفة عام 2008، عادت لتوانيا إلى التجنيد الإجباري عام 2015 كرد فعل على التهديدات الأمنية، حيث تستمر الخدمة 9 أشهر للرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و26 عامًا.
كما يُسمح للنساء والرجال الذين لا تنطبق عليهم الفئة العمرية الاشتراك بشكل تطوعي.
أكد الرئيس أن التزام البلاد تجاه الناتو وتعزيز القدرات الدفاعية بما في ذلك التجنيد الإجباري يعد أمراً ضرورياً لتأمين الدفاع.
لاتفيا.. عودة للإلزامية
استعادت لاتفيا الخدمة العسكرية الإلزامية على جميع الذكور في بداية العام الماضي، بعد أن أُلغيت عام 2006، مما يهدف إلى تدريب وتجهيز 61 ألف جندي للقتال.
يتعين على الرجال بين 18 و27 عامًا الخدمة لمدة 12 شهرًا، بينما يُسمح للنساء بالتطوع، مع وجود استثناءات محددة.
يتم اختيار المجندين باستخدام القرعة، ويمكن للرجال اختيار التحاقهم بالقوات المسلحة أو الحرس الوطني.
إستونيا وكرواتيا
طبقت إستونيا الخدمة الإلزامية عام 1991، حيث يخدم جميع المواطنين الذكور بين 18 و27 عامًا لمدة تتراوح بين 8 و11 شهرًا، ولكن يتم تدريب حوالي 3500 شخص سنويًا فقط لعدم توفر الموارد.
في كرواتيا، تمت إعادة فرض الخدمة العسكرية الإلزامية اعتبارًا من العام المقبل، حيث يتوقع تجنيد 18 ألف رجل سنويًا لتدريب مدته شهرين.
سويسرا.. إلزامية للرجال وتطوعية للنساء
تمتاز سويسرا بنظام خدمة إلزامية للرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا لمدة 21 أسبوعًا، مع إمكانية التحاق النساء طواعية، بينما يُسمح للمعترضين ضميريًا بالتقدم للخدمة المدنية.
أجريت البلاد استفتاءات عدة على هذه السياسة، وكان الناخبون يختارون باستمرار الإبقاء عليها.
بيلاروسيا واليونان
تعتبر الخدمة العسكرية إلزامية لجميع الرجال بين 18 و27 عامًا في بيلاروسيا، الحليف المقرب لروسيا، حيث يشترط على الحاصلين على تعليم عالٍ خدمة لمدة عام كامل، فيما يُطلب من الآخرين الخدمة لفترة أطول.
أما في اليونان، فإن الخدمة العسكرية تمتد لمدة 12 شهرًا تشمل جميع الرجال بين 19 و45 عامًا، بينما يُسمح للنساء بالتطوع، مما يجعل التجنيد الإجباري جزءًا جوهريًا من سياستها الدفاعية منذ عام 1912.



