اخبار الخليج

الحقيقة الخفية وراء الصراع الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران

“سنأكل العشب، سنأكل أوراق الشجر، سنجوع، لكننا سنصنع القنبلة. ليس أمامنا خيار آخر”

بواسطة ذو الفقار علي بوتو – رئيس وزراء باكستان الأسبق

في 20 يناير/كانون الثاني 1972، بعد أسابيع من أسوأ هزيمة عسكرية في تاريخ باكستان خلال حربها مع الهند، حيث فقدت إسلام آباد بنغلاديش، وأُسر لها حوالي 90 ألف جندي، عقد رئيس الوزراء ذو الفقار علي بوتو اجتماعاً سرياً في مدينة ملتان بإقليم البنجاب، جمع فيه كبار العلماء في البلاد، لم يكن الاجتماع استشارياً بل تكليفياً، حيث قال بوتو بصوت حازم: “سنأكل العشب، سنأكل أوراق الشجر، سنجوع، لكننا سنصنع القنبلة. ليس أمامنا خيار آخر”.

بعد أكثر من نصف قرن، تمعّن وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث في مؤتمر صحفي لشرح أهداف الحرب الأمريكية على إيران، فأوضح أن الهدف هو القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وأن العالم لا يمكنه السماح لـ”نظام إسلامي مجنون”، على حد تعبيره، بامتلاك سلاح نووي، بينما الرئيس السابق دونالد ترامب ذهب أبعد من ذلك، حيث وصف الإيرانيين أمام المستشار الألماني فريدريش ميرتز بأنهم “شعب مريض ومجانين وغاضبون وخطرون”.

اقرأ أيضا

  • فقرات حول الموضوع
  • معلومات_extended

بين مشهد ملتان ومشهد واشنطن بعد 50 عاماً، لا يزال السؤال يتكرر: من يملك حق المعرفة النووية؟ ولماذا يُعتبر سعي بعض الدول للحصول على هذه المعرفة حقاً مشروعاً لأمنها، بينما تجد دول أخرى تُعتبر مساعيها تهديداً للبشرية؟ ولماذا يُصمت العالم عن حيازة إسرائيل غير المعترف بها للأسلحة النووية، بينما يتحرك ضد إيران إن سعت لنفس الشيء؟

اتفاقية لتثبيت الماضي

في يوليو/تموز 1968، فتحت اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية (Non-Proliferation Treaty) للتوقيع، وعلى الرغم من أن الاتفاقية بدت أنه إطار قانوني عادل لمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، إلا أن التدقيق في بنيتها يكشف أنها أكثر من مجرد اتفاقية تنظيم، بل تثبيت ميزان القوى كما كان عليه في لحظة تاريخية معينة.

تقسم الاتفاقية العالم إلى قسمين: دول نووية “شرعية”، وهي الدول التي أجرت تجارب نووية قبل عام 1967، مثل الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين، والدول الأخرى التي يحظر عليها امتلاك السلاح النووي، والدول الخمس صاحبة الشرعية هي نفسها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، التي أصبحت الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، أما معظم الدول العربية والإسلامية وعالم الجنوب فكانت ما زالت تحت الاستعمار أو قد حصلت على استقلالها حديثاً، حيث لم يمضِ على استقلال الجزائر أكثر من 6 سنوات، ولم تكن قد مرت 8 أعوام على استقلال معظم دول غرب إفريقيا.

بعبارة أخرى، عندما أُغلق باب النادي النووي، كان أكثر من نصف دول العالم لا يملك حق التصويت في شؤونهم الخاصة، فضلا عن بناء برامج نووية، ما يجعل القانون الدولي هنا لا يعيد توزيع المعرفة النووية، بل ينقل الماضي إلى المستقبل، ويُثبِّت نظاماً دولياً يحتفظ فيه الدول القوية بمواقعها، معوقة بذلك دول ما بعد الاستعمار في سعيها لتجاوز تلك التراتبية.

“نحن أمام منظومة عالمية تحتكر العنف المطلق عبر إضفاء الشرعية على احتفاظ عدد محدود من الدول بأسلحة قادرة على إبادة ملايين البشر”

وصف الدبلوماسي الهندي جسوانت سينغ هذا النظام بأنه “أبارتهايد نووي”، وهو تعبير اختير بعناية، حيث كما كان نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا يقسم البشر إلى فئات بناءً على لون البشرة، ويمنح كل فئة حقوقاً مختلفة، فإن نظام منع الانتشار النووي يقسم الدول بناءً على تاريخ امتلاكها للأسلحة، والذي تحدده بشكل كبير ظروف استعمارية بعيدة عن إرادة الشعوب المحرومة. وبحسب سينغ، فإن واشنطن تتصدر هذا الهرم، تليها دول حلف شمال الأطلسي، وأخيرا إسرائيل، بينما تُقصى دول ما بعد الاستعمار بالكامل عن هذا النظام.

ما يتحدث عنه ماكس فيبر عندما يصف الدولة بأنها الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للعنف، يمكن توسيعه ليشمل النظام الدولي في سياق السلاح النووي، نحن أمام منظومة عالمية تحتكر العنف المطلق عبر إضفاء الشرعية على احتفاظ عدد محدود من الدول بأسلحة مدمرة، بينما يُعتبر سعي دولة من خارج هذا النادي، مثل إيران، لإقامة برنامج نووي بمثابة تهديد للبشرية جمعاء.

الاستثناء الإسرائيلي

في قلب الشرق الأوسط، توجد دولة تمتلك ما يقدر بحوالي 90 رأساً نووياً على الأقل، وفقاً لتقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، ولم تُوقع على اتفاقية منع الانتشار النووي أبداً، ولا تخضع منشآتها لأي تفتيش من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولم تُفرض عليها أي عقوبات، والمقصود هنا هو إسرائيل.

بُدئ برنامج إسرائيل النووي في أواخر الخمسينيات، حين بدأ رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون بناء مفاعل ديمونا في صحراء النقب بالتعاون مع فرنسا. وللتشويش على طبيعة المشروع، قيل لمسؤولي الجمارك الفرنسيين بأن المكونات الكبيرة، بما في ذلك خزان المفاعل، هي أجزاء من محطة لتحلية المياه تُرسل إلى أمريكا اللاتينية.

وعندما اكتشفت الاستخبارات الأمريكية حقيقة المنشأة في أوائل الستينيات، طلبت واشنطن تفتيشاً دولياً، ولكن وافقت إسرائيل على ذلك بشرط أن يكون المفتشون أمريكيين وليس تابعين للوكالة الدولية، وأن تُبلَّغ مسبقاً بمواعيد كل زيارة، مما أدى إلى أن أفاد المفتشون الأمريكيون أن تفتيشاتهم كانت غير مجدية، لأن الإسرائيليين كانوا يبنون جدراناً مؤقتة ومصاعد مخفية قبل كل زيارة لإخفاء الطوابق الستة السرية تحت الأرض.

“أفاد المفتشون الأمريكيون أنفسهم بأن تفتيشهم للمنشآت النووية الإسرائيلية كان عديم الجدوى، لذا سرعان ما توقفت عمليات التفتيش تماماً”

بحلول عام 1969، توقفت واشنطن عن التفتيش تماماً، وفي ذلك العام تحديداً، توصل الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون ورئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير إلى تفاهم سري، كشف عنه المؤرخ الإسرائيلي أفنير كوهين في كتابه “إسرائيل والقنبلة”، حيث نص التفاهم على أن إسرائيل تحتفظ ببرنامجها النووي سراً، ويمتنع عن إجراء تجارب علنية، في مقابل أن تتسامح واشنطن مع امتلاكها للأسلحة النووية ولا تضغط عليها للتوقيع على اتفاقية منع الانتشار. ومنذ ذلك التفاهم وحتى اليوم، تحظر الحكومة الأمريكية على موظفيها الحاصلين على تصاريح أمنية من الكشف عن أي معلومات تتعلق بامتلاك إسرائيل للأسلحة النووية.

في عام 1986، كسّر مردخاي فانونو، وهو تقني عمل في ديمونا 9 سنوات، جدار الصمت، حيث التقط 60 صورة من أكثر المناطق سرية في المنشأة، وكشف لصحيفة صنداي تايمز البريطانية عن قدرة إسرائيل على إنتاج ما يكفي من البلوتونيوم لصناعة حوالي 12 رأساً نووياً سنوياً، وأنها طورت أسلحة نووية حرارية (هيدروجينية). وقبل نشر القصة بخمسة أيام، اختطفه جهاز الموساد من روما بعد استدراجه بواسطة عميلة إسرائيلية، ونُقل سراً إلى إسرائيل، حيث حوكم بتهمة الخيانة والتجسس، وحُكم عليه بالسجن 18 عاماً، قضى 10 منها في الحبس الانفرادي.

“لم تُعاقَب إسرائيل على برنامجها النووي السري، ولم تُفرض عليها عقوبات اقتصادية، ولم تُقصف منشآتها، بل على العكس تماماً: سعت أن تكون القوة النووية الوحيدة في المنطقة”

لم تُعاقَب إسرائيل على برنامجها النووي السري، ولم تُفرض عليها عقوبات اقتصادية، ولم تُقصف منشآتها، بل على العكس تماماً، سعت أن تكون القوة النووية الوحيدة في المنطقة. ففي عام 1981، دمرت تل أبيب مفاعل أوزيراك العراقي بغارة جوية. وفي عام 2007، قصفت منشأة في دير الزور السورية لمجرد الشك بأنها يمكن أن تكون مفاعلاً نووياً. وفي يونيو/حزيران 2025، شاركت في ضرب منشآت نووية إيرانية خلال حرب دامت 12 يومًا، وجميع هذه العمليات كانت تتم تحت حماية الولايات المتحدة، القمة العظمى التي تقود الحرب ضد إيران منذ عقود.

عبد القدير خان.. شبكات المعرفة المُحرَّمة

تشير أبجديات العلاقات الدولية والدراسات الأمنية إلى حق الدول في السعي لضمان أمنها ووجودها، وفكرة التسلح تعد جزءاً طبيعياً من هذا المنطق في نظام دولي يُعتَبر فوضوي بطبيعته.

ومع ذلك، يبدو أن هذه القاعدة تفقد مشروعيتها عندما تسعى دولة من الجنوب العالمي إلى نفس الأمر، حيث يتحول مجرد التطلّع لبناء قوة عسكرية مستقلة عن النظام الدولي الغربي إلى تهديد مباشر لذلك النظام. عندما يغلق النظام الدولي القنوات القانونية أمام الدول للحصول على المعرفة النووية، فإن السعي وراءها لا يتوقف بل يستمر عبر مسارات غير رسمية، وهذا هو ما يُفسّر بزوغ شبكة عبد القدير خان الباكستانية.

تبدأ قصة خان من أوروبا، في مايو/أيار 1972، بعد أشهر قليلة من اجتماع ملتان، حيث بدأ مهندس المعادن الباكستاني، الحاصل على الدكتوراه من بلجيكا، العمل في مختبر بأمستردام كان مقاولاً فرعياً لشركة “يورِنكو”، التي أُسست لتأمين إمدادات اليورانيوم المُخصب لمفاعلات الطاقة المدنية الأوروبية. طوال ثلاث سنوات، نجح خان في الوصول إلى تصاميم أجهزة الطرد المركزي السرية وصورها، ونسخ بيانات التواصل مع عشرات الشركات المورِّدة لمكوناتها. وفي ديسمبر/كانون الأول 1975، غادر خان وظيفته فجأة وعاد إلى باكستان حاملاً مخططات وصوراً وقائمة مُورِّدين، وما حدث بعد ذلك غيّر خريطة القوة في جنوب آسيا.

بحلول أبريل/نيسان 1978، كانت باكستان قد أنتجت يورانيوم مُخصبًا، وبحلول عام 1982 وصلت إلى درجة التخصيب العسكري، وفي مايو/أيار 1998، ردًا على التجارب النووية الهندية، فجَّرت باكستان 5 أجهزة نووية في تلال رأس كوه بإقليم بلوشستان، لتصبح أول وآخر دولة في العالم الإسلامي تمتلك سلاحاً نووياً.

“بنى عبد القدير خان شبكة دولية سرية لنقل المعرفة والمواد النووية إلى دول أخرى مثل إيران وليبيا وكوريا الشمالية، وفي بعض الروايات سوريا”

لكن قصة خان لم تتوقف عند حدود باكستان، فقد أسس شبكة دولية سرية لنقل المعرفة والمواد النووية إلى دول أخرى كإيران وليبيا وكوريا الشمالية، وفي بعض الروايات أيضاً سوريا. وغالباً ما يتم تقديم هذه الشبكة في الخطاب الدولي كدليل على “السعي غير المشروع” لنشر أسلحة الدمار الشامل، لكن القراءة الدقيقة تُظهر أن بروز هذه الشبكات كان نتيجة مباشرة لبنية النظام الدولي نفسه، فعندما تُحجب المعرفة عن دول بأكملها وتُحتكر في يد قلة من الدول المهيمنة، يصبح السعي وراءها خارج الأطر الرسمية نتيجة متوقعة لذلك النظام، وليس انحرافاً عنه.

لذا، فإن شبكة عبد القدير خان ليست استثناءً من قواعد النظام الدولي، بل تعد نتاجاً طبيعياً له، ونظام الفصل العنصري النووي كما سماه جسوانت سينغ، تماماً كما تُعَد شبكات المقاومة جزءاً أصيلاً من أنظمة الفصل العنصري، وكسلوك مشروع وحتمي رد فعلي على وجودها.

السيادة المنقوصة

ورغم أنه يُسمح لدولة عربية أو إسلامية بالاقتراب من الطاقة النووية “السلمية” عبر القنوات الرسمية، فإن هذا الإذن عادة ما يأتي مشروطاً بما يضمن بقاء المعرفة الجوهرية والحساسة خارج يدها. على سبيل المثال، ورغم العلاقات الوثيقة بين أبوظبي وواشنطن، فإن اتفاقية التعاون النووي التي أُبرمت بينهما عام 2009، المعروفة بـ”اتفاقية 123″، سمحت للإمارات ببناء مفاعلات لإنتاج الكهرباء، لكن بشرط صريح: الالتزام بعدم تطوير أو حيازة أي تقنية لتخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود النووي المستنفد، مما يعني عملياً أن الإمارات يمكنها تشغيل المفاعلات لكنها تبقى معتمدة كلياً على الخارج في توريد الوقود. إنها تملك المبنى لكنها لا تمتلك المفتاح.

“النظام الدولي لا يمنع دول الجنوب العالمي (خاصة الدول العربية والإسلامية) من استخدام الطاقة النووية فحسب، بل يمنعها من فهمها. وهذا يجعل المعرفة نفسها محرمة”

يكشف هذا النموذج أن النظام الدولي لا يمنع دول الجنوب العالمي (خاصة الدول العربية والإسلامية) من استخدام الطاقة النووية فحسب، بل يمنعها كذلك من فهمها، حيث يكمن فارق جوهري أن دولة مثل اليابان أو كوريا الجنوبية تمتلك المعرفة الكاملة لصناعة سلاح نووي لكنها تختار عدم التسلح، مما يوفر لها الخيار في النهاية، أما معظم دول الجنوب العالمي فهي مُستبعَدة من المعرفة ذاتها، وليس فقط من قرار استخدامها، حتى وإن كانت تمتلك علاقات تحالف عسكري مع واشنطن.

في الوقت ذاته، يُطلب من هذه الدول أن تعيش جنبًا إلى جنب مع إسرائيل، الدولة التي تمتلك ترسانة نووية سرية وتعمل بالقوة المسلحة على منع أي دولة أخرى في المنطقة من الاقتراب من العتبة النووية، وهذا الاختلال في التوازن الاستراتيجي ليس مجرد حالة مؤقتة، بل هو واقع مُهيكل عمداً، يتم حراسته باتفاقيات دولية ونظام رقابة وقوة عسكرية جاهزة للتدخل حالما يتعرض ذلك التوازن للاهتزاز.

إن هذا الإقصاء المعرفي لا يؤثر فقط على مسار التطور العلمي للعالم العربي، بل يؤثر أيضاً على طريقة فهمه لمصادر الخطر في منطقته، فعندما تُقصى دول بأكملها من امتلاك المعرفة المتعلقة بأكثر أدوات القوة تدميراً، تتشكل سياساتها الأمنية تحت تأثير خطابات تأتي من القوى الكبرى، حيث يتم تقديم “الإرهاب”، ذلك المفهوم الواسع، بوصفه الخطر الرئيسي، بينما يُمَارَس تجاه خطر مادي ووجودي يتمثل في وجود قوة نووية غير خاضعة لأي رقابة في قلب المنطقة.

إيران.. كسر المعادلة

في سياق دولي يكون الفصل العنصري النووي والاستثناء الإسرائيلي والسيادة المنقوصة هي الأطر السائدة، تصبح أهداف الحرب الأمريكية على إيران أكثر وضوحًا، فمن الممكن أن تحاول واشنطن تغيير النظام في طهران بمعزل عن قدراتها النووية، كما فعلت في فنزويلا حين اعتقلت رئيسها دون إطلاق رصاصة. لكن الحرب على إيران تسعى إلى هدفين متوازيين: تغيير النظام، وضمان أن تبقى هذه الدولة محرومة من المعرفة النووية، أيًّا كانت طبيعة النظام الذي سيأتي لاحقاً. وهذا ما أوضحه هيغسيث بوضوح عندما فصل بين الهدفين: إسقاط النظام، وتدمير البرنامج النووي.

“الحرب على إيران تسعى إلى هدفين متوازيين: تغيير النظام، وضمان أن تظل طهران محرومة من المعرفة النووية، أيًّا كانت طبيعة نظامها القادم”

لا يمكن فصل اللغة المستخدمة لتبرير هذه الحرب عن الهيكلة القائمة على الاحتكار التي تم وصفها، فعندما يُشير هيغسيث إلى إيران على أنها “نظام إسلامي مجنون” يؤمن بـ”نبوءات إسلامية وهمية”، وعندما يصف ترامب الإيرانيين بأنهم “شعب مريض ومجانين”، فإن هذه اللغة لا تمثل حالة شعبوية عشوائية، بل هي امتداد لنظرة استشراقية أعمق تعيد العلاقة بين المعرفة النووية والعقلانية، وترتبط بالعقلانية بحصرها في حضارة الغرب.

من خلال هذا المنطق، يمكن أن تُعطى الدول “العقلانية” الحق في امتلاك أسلحة الدمار الشامل، بينما يُنظر إلى الدول “غير العقلانية”، وغالباً ما تكون هذه الدول غير الغربية أو الإسلامية أو الثورية في الجنوب، على أن سعيها للحصول على هذه المعرفة يعد تهديداً وجودياً. في حين أن الدول “العقلانية”، مهما اتسمت بتصرفات عدوانية كإسرائيل والإدارات الأمريكية المتعاقبة، فإنها تُحتفظ بحق المعرفة النووية وممارستها بدون قيد أو شرط.

إن القدرات النووية ليست مجرد أدوات تدمير تقنية وعسكرية، بل تشكل سلطة رمزية وسياسية أيضاً، حيث تصبح الدولة التي تمتلكها جزءاً من طبقة أعلى في النظام الدولي، فهي تُعتبر أداة ردع عسكري ووسيلة للإرغام الدبلوماسي، إن التحكم بمن يُسمح له بامتلاكها ومن يُمنع يعني أن مجموعة صغيرة من الدول هي التي تحدد حدود المعرفة المسموح بها لبقية العالم. إن هذا الاحتكار يولد باستمرار سردية تحدد من هو “الخطر” ومن هو “الحليف”، استناداً إلى مفاهيم حضارية ورؤية وحيدة تصيغها القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

اليوم، تُحارب إيران ليس فقط لأنها تمتلك برنامجًا نوويًا، بل تُحارب لأن سعيها لإنتاج المعرفة النووية محلياً، خارج شبكات الرقابة والتبعية التي يفرضها نظام الفصل العنصري النووي، وأيضًا تُحارب لأنها سعت إلى امتلاك المفتاح، وليس مجرد المبنى. السؤالأل الذي تطرحه هذه الحرب لا يتعلق بمستقبل إيران وبرنامجها النووي فحسب، بل يمس كل دولة نامية: من أعطى الدولة المهيمنة الحق في تحديد سقف معرفة دول أخرى؟ وإلى متى يُعامل احتكار القوة كـ نظام بينما تُعامل السعي لكسره على أنه جنون؟

Sally Hamdy

سالي حمدي كاتبة صحفية في موقع عرب360، تمتلك خبرة في العمل بعدد من المواقع الإخبارية من بينها اليوم السابع والدستور تهتم بتغطية… More »

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى