أخبار عامة

استكشاف العاصمة الإدارية الجديدة في مصر: هل هي خطوة جريئة للسيسي؟

نشرت مجلة “1843” التابعة لصحيفة “إيكونوميست” البريطانية تقريراً مفصلاً حول مشروع العاصمة الإدارية الجديدة في مصر، مستعرضةً التحولات الجغرافية والسياسية التي يقودها “الجمهورية الجديدة” تحت قيادة عبد الفتاح السيسي.

### المشروع والهوية المصرية
يصف التقرير المدينة بأنها مشروع ذو أبعاد فرعونية، يهدف إلى إعادة صياغة الهوية المصرية، ونقل مراكز القوة والثروة إلى الصحراء، حيث تضم معالم ضخمة مثل البرج الأيقوني، الذي يُعتبر أطول مبنى في أفريقيا، ومقر “الأوكتاجون” العسكري، الذي يفوق حجم “البنتاغون” بعشر مرات.

### التحديات الاقتصادية
وبحسب التقرير، فإن الطموح العمراني يواجه تحديات اقتصادية خانقة، فقد تضاعفت الديون الخارجية لمصر أربع مرات في عهد السيسي، وأصبح سدادها يستنزف أكثر من 60 بالمئة من الميزانية العامة للدولة.

### دور القوات المسلحة
يسلط التقرير الضوء على الدور المحوري للقوات المسلحة في السيطرة على الأراضي والمشاريع عبر كيانات مثل “شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية”، وسط تشكيك في ادعاءات الدولة بأن المشروع لم يكلف الميزانية العامة “مليماً واحداً”، وتحذيرات من تحول المشروع إلى “فقاعة عقارية” تعتمد بشكل كامل على استمرار تدفق أموال الخليج.

### تسلسل تاريخي
يلفت التقرير اهتمام القراء بتتبع تسلسل التاريخ المصري الحديث، بدءًا من الخديوي إسماعيل، الذي بنى “وسط البلد” في نهاية القرن التاسع عشر على غرار باريس، حتى النصب التذكارية للزعيم جمال عبد الناصر، الذي أطاح بالملك والمستعمرين البريطانيين في انقلاب عام 1952.

تناول التقرير كذلك اعتقال الرئيس الراحل محمد مرسي، والذي كان أول رئيس مصري منتخب ديمقراطياً، بعد عام من توليه السلطة، مع استعادة الجيش للسيطرة. ثم جاء الجنرال عبد الفتاح السيسي، الذي ارتدى البدلة ليصبح رئيساً في عام 2014.

### مدينة ذكية
يتطرق التقرير إلى الجانب التقني للعاصمة التي تُروج لها السلطات كـ “مدينة ذكية”، حيث من المقرر أن تدير 6000 كاميرا مراقبة منسقة بواسطة الذكاء الاصطناعي حركة المرور، وتراقب أمن المواطنين بشكل دائم. يرى المراقبون هذا التوجه كجزء من استراتيجية الدولة لنقل مؤسسات الحكم بعيداً عن مركز القاهرة المزدحم، لضمان حماية الحكومة من أي احتجاجات شعبية مستقبلية قد تهدد السلطة كما حدث في “ميدان التحرير” عام 2011.

### تفاوت اجتماعي
فيما يتعلق بالتفاوت الاجتماعي، يسلط التقرير الضوء على الفجوة الكبيرة بين الرفاهية المخطط لها والواقع المعيشي، إذ تمتلئ لوحات الإعلانات بصور المجمعات السكنية الفاخرة وملاعب الغولف، بينما لا يتجاوز متوسط الأجر الشهري في مصر 200 دولار، في ظل أزمة تضخم بلغت ذروتها عند 38%.

كما ينقل التقرير شهادات لحال عمال البناء الذين يعملون على تشييد هذه المعالم، حيث يفضلون البقاء في أحيائهم القديمة “المفعمة بالحياة”، بدلاً من الانتقال إلى المدينة التي يرونها واجهة تهدف لتحسين صورة البلاد عالمياً.

### الآلية المالية
يكشف التقرير عن الآلية المالية التي تضمن مكاسب كبيرة للمؤسسة العسكرية، إذ تتقاضى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة “رسوم إدارة” تصل إلى 35% من قيمة عقود المقاولات، بينما تتدفق أرباح مبيعات الأراضي الصحراوية إلى حسابات شركة العاصمة الإدارية التي تملكها وزارة الدفاع.

يتيح هذا النموذج للجيش تراكم الأرباح دون تحمل مخاطر مالية حقيقية، حيث تقع أعباء القروض والديون المرتبطة بالمشروع على عاتق وزارة الإسكان والبنك المركزي والبنوك الحكومية.

### تحديات لوجستية
وعلى المستوى اللوجستي، يرصد التقرير تحديات استدامة الحياة في العاصمة، موضحاً أنها تعتمد بالكامل على ضخ المياه من نهر النيل الذي يبعد عنها 45 كيلومتراً، وهو ما يتنافى مع المنطق الجغرافي لبناء المدن.

يصف التقرير العاصمة بأنها لا تزال “مدينة شبح”، حيث لم يتجاوز عدد العائلات المقيمة فيها حتى صيف 2025 نحو 5000 عائلة، مع شوارع مقفرة ليلاً ومرافق عامة تفتقر للخدمات الأساسية.

### مؤسسات تعليمية وثقافية
وفيما يخص المؤسسات التعليمية والثقافية، يشير التقرير إلى أن العاصمة الجديدة بدأت في استقطاب فروع لجامعات دولية، مثل الجامعة الألمانية الدولية، وجامعة هيرتفوردشاير البريطانية، والجامعة الكندية في مصر، حيث يتم نقل آلاف الطلاب يومياً بالحافلات بانتظار اكتمال السكن الجامعي.

تضم المدينة حيّاً ثقافياً يشتمل على دار أوبرا ومتحف مخصص لتاريخ العواصم المصرية عبر العصور، إلا أن بعض الدبلوماسيين يشككون في جدوى هذه المنشآت الضخمة.

### مقارنة بنيوم
أما عن الجانب الاستثماري، يسجل التقرير ظاهرة “الاستثمار الجزئي” التي بدأت تظهر كحل للمصريين في الخارج والطبقة المتوسطة غير القادرة على شراء عقارات كاملة، حيث تتيح منصات رقمية مثل “فريدة” للمستثمرين شراء حصص في عقارات فاخرة بمبالغ تبدأ من 200 دولار فقط.

جدول مقارنة بين المشاريع:

| المشروع | الموقع | التكلفة |
|———————–|————————|———————|
| العاصمة الإدارية الجديدة | مصر | غير محددة |
| نيوم | السعودية | 500 مليار دولار |
| نوسانتارا | إندونيسيا | غير محددة |

### إحباط يومي
يبرز التقرير حالة الإحباط بين الموظفين الذين أُجبروا على الانتقال للعمل في العاصمة الجديدة، حيث تضاعفت مدة تنقلهم اليومي، ويعانون من افتقار المكاتب الجديدة للخصوصية، ويصفونها بأنها “أمريكية أكثر من اللازم”.

على الرغم من فخامة التصميمات الداخلية، يفتقد هؤلاء الموظفون المرافق الأساسية والمقاهي الشعبية التي كانت تميز مقار عملهم القديمة في وسط البلد بالقاهرة.

### استمرار التمويل
يختتم التقرير بالإشارة إلى أن استمرار هذا المشروع يعتمد بشكل حيوي على التدفقات المالية الكبيرة من دول الخليج، مثل صفقة “رأس الحكمة” مع الإمارات بقيمة 35 مليار دولار، وصفقة قطرية أخرى بقيمة 29 مليار دولار.

يرى محللون أن العاصمة الإدارية أصبحت مشروعاً “أكبر من أن يُسمح بفشله” نظراً لارتباطه المباشر باستقرار النظام، مشبهين آلية تمويله بـ “مخطط بونزي” الذي يحتاج لضخ مستمر للأموال لضمان بقاء الماكينة قيد العمل.

arab360

فريق تحرير عرب360 يضم نخبة من الكُتّاب والصحفيين ذوي الخبرة في العمل بالمواقع الإخبارية من بينها اليوم السابع والدستور. يهتم الفريق بتغطية… More »

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى