استراتيجيات روسيا المبتكرة في استقطاب الشباب للتجنيد العسكري

شبّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تأثير الصراع القائم في الشرق الأوسط بتأثير جائحة كورونا (كوفيد-19)، مشيراً إلى صعوبة التنبؤ بتداعيات هذا النزاع، دون الإشارة إلى الحرب المستمرة في أوكرانيا، التي تتخذ بلاده خلالها خطوات جديدة لتجنيد الشباب بشكل مستمر. أضاف بوتين أن هذا الصراع يؤثر سلباً على الخدمات اللوجيستية الدولية وسلاسل الإنتاج والإمداد، ويضغط بشدة على شركات النفط والغاز والمعادن والأسمدة، لكنه تجنب ذكر الضحايا العسكريين والمدنيين الذين يتساقطون جراء استخدام أكثر الأسلحة تدميراً.
هواجس تعبئة عسكرية جديدة!
تصاعدت المشاعر في روسيا حول إمكانية فرض تعبئة عسكرية جديدة، خاصة مع تعثر المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، والتي تعود أسبابها إلى القضايا المتعلقة بالتنازل عن الأراضي المتنازع عليها، بالإضافة إلى توتر العلاقات بين القيادتين. كثير ممن انطبقت عليهم شروط التجنيد بدأوا يفكرون في الهروب من البلاد لتفادي جحيم الحرب. وفي ذات السياق، سعت السلطات الروسية لضمان المواطنين بعدم العودة إلى خيار التعبئة الإلزامية، مشيرة إلى أن التطوع العسكري مستمر بشكل جيد.
أكد نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميتري مدفيديف، أن هناك من يكفي من المتطوعين لأداء المهمة العسكرية، مشيراً إلى أن التجهيز للقوات الروسية يسير بوتيرة مطمئنة. وفي بداية العام 2026، تم التعاقد مع أكثر من 80 ألف متطوع، ويكفي هذا العدد للتعامل مع كافة المهام الموكلة للقوات في أوكرانيا. كما أكدت لجنة الدفاع في الدوما أن لا مبرر للتعبئة العامة هذا العام، حتى في حال إرسال قوات من “تحالف الراغبين”.
أعلن بوتين في مايو 2025 عن انضمام 50 إلى 60 ألف متطوع شهرياً، مع الإشارة إلى أن السلطات الأوكرانية تمارس التعبئة القسرية، بينما يلتحق الرجال الروس للخدمة طواعية.
طمأنة مجندي الخدمة الإلزامية!
أكد نائب رئيس إدارة التعبئة بالأركان الروسية، فلاديمير تسيملانسكي، أن مدة الخدمة العسكرية الإلزامية لا تزال 12 شهراً، ولن يتم إرسال أي مجند للقتال في أوكرانيا، مشيراً إلى أن الخدمة العسكرية لم تتغير، وأن تجنيد الخريف قد تحقق بالكامل، حيث تم استدعاء 135 ألف شخص.
أوضحت هيئة الأركان العامة أن المجندين الجدد لن ينضموا إلى الوحدات المشاركة في الصراع، وأن المتطوعين الذين خدموا ستة أشهر معفون من التجنيد الإجباري، كما سيتم تسريح الأفراد الذين أنهوا خدمتهم المطلوبة في الوقت المناسب.
إغراءات التجنيد
تقدم السلطات الروسية حوافز مغرية للمجندين، مثل رواتب تصل إلى 2500 دولار شهرياً، بالإضافة إلى تقديمات سخية لعائلاتهم، مثل التعليم المجاني، كما تُعطى وعود بالسماح للسجناء بالحصول على حريتهم في حالة تطوعهم، وكذلك المُهاجرين الذين يرغبون في الحصول على الجنسية بعد عام من الخدمة.
ومع زيادة الحاجة إلى تعزيز القوات المسلحة، لا تزال هناك مقاومة شعبية كبيرة تجاه التعبئة العسكرية العامة. ومع مرور أربع سنوات على النزاع، تواصل السلطات البحث عن طرق جديدة لعلاج نقص الأعداد في القوات، حيث يؤكد العديد من وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان أن الشبان غالباً ما يُجبرون على التوقيع على عقود تجنيد.
تجنيد الأجانب
الأجانب الذين يقيمون في روسيا أيضاً مستهدفون من عمليات التجنيد، حيث تسهّل القوانين حصولهم على الجنسية الروسية، وتُشير التقارير إلى تنظيم السلطات لمداهمات في المناطق التي يقيم فيها المهاجرون، مما يدفعهم للانضمام للجيش. وفي نوفمبر الماضي، صدر مرسوم يفرض الخدمة العسكرية على الأجانب الراغبين في الحصول على الإقامة الدائمة.
أفادت تقارير بوجود شبكة تستدرج العمال من دول مختلفة، وقد تم القبض على مجموعة تُحاول توظيفهم، ورفضت نيبال سفر مواطنيها إلى روسيا أو أوكرانيا بسبب التجنيد القسري.
مئات آلاف المجندين… والقتلى!
أكد بوتين في مؤتمره الصحافي أن عدد الجنود الروس الذين يقاتلون في أوكرانيا يصل إلى 700 ألف، ولكن تبقى الأرقام غير مؤكدة، إذ تقدر وزارة الدفاع البريطانية أن أكثر من مليون جندي روسي قُتل أو أُصيب. منذ بدايات الحرب، وثقت مصادر مستقلة فقدان لعشرات الآلاف من الجنود، بما في ذلك عدد ملحوظ من الأجانب الذين انضموا للقوات الروسية.
كيف تطوع روسيا جنوداً للحرب
عند مقارنة الوضع مع أوكرانيا، نجد أن روسيا لم تفرض التجنيد الإجباري العام، بل اكتفت بالتجنيد الجزئي، مما جعل العديد يفرون خلال فترة التعبئة السابقة. ومع وجود خيار لتجنيد إضافي، باتت جميع العقود العسكرية دائمة، مما يقلل من قدرة الجنود على الانسحاب من الخدمة.
موسم العسكرة!
لم يعد التجنيد العسكري أمراً غير مألوف في المجتمع الروسي، حيث تم في السنوات السابقة إعادة هيكلة مجمع الصناعات العسكرية بما يتماشى مع متطلبات الصراع المستمر. وقد زادت ميزانية الدفاع بشكل ملحوظ، وما زالت العسكرة تزداد في جميع مجالات الحياة، مما يثير قلق الدول الأوروبية من أن بوتين قد يسعى لتوسيع نطاق صراعاته المستقبلية.



