اخبار الخليج

هل يتجه الحوثيون نحو الانخراط في الصراع الإيراني؟

“سياسة الدولة تتجلى في جغرافيتها”، عبارة قالها القائد الفرنسي نابليون بونابرت، تبرز اليوم بوضوح أكبر من أي وقت مضى، مع تصاعد التوتر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى؛ فالجغرافيا التي منحَت طهران موقعًا استراتيجيًا متميزًا على مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، أصبحت في قلب الصراع عنصر قوة يتجاوز القدرات العسكرية التقليدية، حيث أصبح “سلاح الممرات” من أقوى الأوراق في الحسابات الاستراتيجية المعقدة.

ومن ذات الجغرافيا، ظهر لاعب جديد يعقد المعادلة أكثر، وهم “أنصار الله” (الحوثيون) في اليمن، الذين يسيطرون على مناطق استراتيجية تطل على مضيق باب المندب، حيث سجّل الحوثيون مشاركتهم الميدانية الأولى بإطلاق صاروخين باتجاه إسرائيل، وهو ما يُعتبر تطورًا نوعيًا يحوّل الصراع من مرحلة التهديد إلى المواجهة المفتوحة.

هذا التغير الدراماتيكي يثير العديد من الأسئلة الجوهرية حول توقيت الهجوم ودلالاته: هل يُعقد الحوثيون المعركة كجزء من استنزاف إيران لخصومها؟، أم أنها رسالة ردع موجهة للقوى الإقليمية لثنيها عن الانضمام للتحالف المناوئ لطهران؟ والأهم من ذلك، هل تمتلك الجماعة القدرة العسكرية على فرض معادلة جديدة في الاشتباك؟، هذه الأسئلة يسعى هذا التقرير للإجابة عليها بمشاركة مجموعة من الخبراء.

لماذا قرر الحوثيون المشاركة الآن؟

تنقل صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية أن إطلاق الحوثيين صواريخ على جنوب إسرائيل يُعتبر تحذيرًا للولايات المتحدة من حشد قواتها في البحر الأحمر في انتظار ضربة محتملة واسعة النطاق على إيران، أو ربما في محاولة لتأمين مضيق هرمز عبر مرافقة السفن، وذلك يتضمن عرقلة حركة حاملات الطائرات الأمريكية عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، خاصة إذا اتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطوات لفتح مضيق هرمز أو شن عمليات عسكرية على إيران.

تشير الصحيفة أيضًا إلى أن الحوثيين قادرون على تهديد السفن الأمريكية، مع إمكانية تعطيل الحركة الملاحية في مضيق باب المندب باستخدام الألغام البحرية، موضحةً أنه حتى لو اعترض الجيش الأمريكي صواريخ الجماعة، فإن ذلك قد يُبطئ فقط من عمليات التجميع للقوات اللازمة لعملية عسكرية موسعة.

كارت إيراني.. الحوثيون يعملون بإشراف الحرس الثوري

يعتقد بليغ المخلافي، المستشار الإعلامي للسفارة اليمنية في القاهرة، أن انضمام الحوثيين إلى التصعيد كان متوقعًا منذ بداية الحرب، حيث تتبع إيران تكتيكًا يعتمد على استخدام أذرعها الإقليمية تدريجيًا، مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، بهدف زيادة الضغط على إسرائيل.

المخلافي يوضح أن الحوثيين يمثلون ورقة تُفضل طهران تأجيل استخدامها، لكنها لجأت إليهم مع طول أمد الحرب، مُشيرًا إلى أن قدرات الحوثيين تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الإيراني، وأن الصواريخ التي أُطلقت مؤخرًا كانت إيرانية الصنع، وتعمل الجماعة تحت إشراف خبراء من الحرس الثوري الإيراني، حيث تتواجد تقارير عن وصول خبراء إيرانيين إلى السواحل اليمنية للإشراف على العمليات.

الحصول على مبالغ من دول الجوار

حسب تحليل صحيفة “الجارديان”، لم تتورط الجماعة بشكل مباشر في القتال لصالح إيران، رغم شحن العديد من أسلحتها من طهران، موضحةً أن قرار الحوثيين بالمشاركة يعتمد على طبيعة الهجمات التي ستشنها، سواء باستهداف إسرائيل أو بإغلاق مضيق باب المندب.

تذهب الصحيفة أبعد من ذلك لتذكر أن الحوثيين قد يتصرفون بحذر جزئيًا سعياً للحصول على مبالغ مالية من السعودية، مقابل عدم استئناف القتال ضد الجنوب أو زعزعة استقرار البحر الأحمر، حيث تكمن قوة الحوثيين في اعتراض السفن بدلاً من إرسال الصواريخ باتجاه إسرائيل.

استراتيجية إيران من انضمام الحوثيين

في حديثه عن استراتيجية بلاده، حذر السفير الإيراني السابق في أذربيجان، أفشار سليماني، من مغبة المساس بالأراضي الإيرانية، مُشيرًا إلى أن إيران تستخدم القوات الوكيلة في مواجهة العدوان الأمريكي والإسرائيلي، ويبدو أن تخفيف الضغط عن حزب الله يعد هدفًا من هذه التحركات.

سليماني أضاف أن هذا التحرك قد يحمل رسالة للمملكة العربية السعودية والإمارات، نظرًا لوقوفهما إلى جانب الولايات المتحدة ضد إيران، وهو ما اعترف به ترامب أيضًا.

موقف الخليج من انضمام الحوثيين للحرب

معهد تشاتام هاوس أشار إلى أن انضمام الحوثيين إلى الصراع الآخذ في التوسع في الشرق الأوسط يعد تصعيدًا خطيرًا، حيث يمكن أن يؤدي الاضطراب المستمر إلى رفع تكاليف الشحن وزيادة أسعار النفط.

وأوضح المعهد، أنه إذا وسع الحوثيون عملياتهم لتشمل هجمات على دول مجلس التعاون الخليجي، فستكون العواقب أكثر خطورة، مما يعكس طبيعة التهديد الذي تمثله الجماعة المدعومة من إيران.

تأثير الحوثيين محدود وتأخر مشاركتهم بسبب تفاهمات مع واشنطن

على النقيض، يقلل الدكتور إحسان الخطيب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة “مورى ستايت”، من فعالية الحوثيين، معتبرًا أن تدخلهم في الحرب قد يكون شكليًا، حيث لم يؤثر في المعادلة العسكرية سابقًا.

بعد عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، تعهد الحوثيون بمهاجمة السفن الأمريكية والإسرائيلية، واستهدفوا عددًا من السفن في ممرات الشحن الدولية، بينما ردت الولايات المتحدة وحلفاؤها بضرب أهداف في اليمن.

الدكتور الخطيب أرجع تأخر الحوثيين للانخراط في الحرب بسبب تفاهمات غير مباشرة مع الولايات المتحدة حول ضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر دون الانخراط في الحرب الأهلية اليمنية.

صواريخ الحوثيين على إسرائيل “تحذير رمزي” لأمريكا

الدبلوماسي الأمريكي السابق نبيل خوري يتوافق مع الدكتور الخطيب، حيث يرى أن الهجمات الحوثية تعد تحذيرات رمزية.

يؤكد خوري أن الحوثيين يعبرون عن موقفهم، ويهددون بإغلاق مضيق باب المندب، ما قد يستدعي ردود فعل أمريكية قوية.

في النهاية، يبدو أن مشاركة الحوثيين في الصراع هي بمثابة “تفعيل لغم جيو-اقتصادي” كانت طهران تحضر له، حيث تكمن خطورة الموقف في جغرافيا المنطقة، حيث يمكن أن تتدهور الأمور إلى “حرب أمعاء خاوية” عالمية.

Sally Hamdy

سالي حمدي كاتبة صحفية في موقع عرب360، تمتلك خبرة في العمل بعدد من المواقع الإخبارية من بينها اليوم السابع والدستور تهتم بتغطية… More »

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى