استكشاف الفائزين والخاسرين في النزاع الإيراني

تؤسس حرب إيران لمرحلة دولية غير مستقرة، تمزج بين التوازنات العسكرية والمخاوف الاقتصادية والطاقة، مما يعيد إلى السطح أسئلة مهمة حول موازين القوة في النظام العالمي.
تتيح هذه الحرب فرصاً لتحولات جذرية تتجاوز الميدان العسكري، لتشمل أيضاً تحالفات دولية وأسواق، في وقت تبدو فيه القرارات الكبرى مرتبطة بقضايا آنية أكثر من كونها نتيجة لرؤية استراتيجية شاملة.
تظهر تداعيات الحرب، مع مرور الوقت، شبكة معقدة من التأثيرات المتزايدة، حيث لا تقتصر النتائج على طرفي النزاع، بل تشمل دولاً ومؤسسات دولية وإقليمية تواجه واقعاً جديداً يفرض إعادة تقييم موقفها.
الدول الرابحة والخاسرة
في هذا السياق، يحدد تقرير لمركز الإصلاح الأوروبي (CER) أبرز الدول المستفيدة والمتضررة من حرب إيران، مشيراً إلى أن تلك الحرب تعيد تشكيل موازين القوى الدولية، إذ تكشف عن شبكة معقدة من الرابحين والخاسرين، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الأبعاد الجيوسياسية، وتظهر آثارها بصورة سريعة على أسواق الطاقة والأمن.
روسيا
- تظهر روسيا كأحد أكبر المستفيدين، إذ أسهم ارتفاع أسعار النفط والغاز في تعزيز إيراداتها، مما يوفر لها آفاقاً مالية أكبر لدعم عملياتها العسكرية في أوكرانيا والتخفيف من الضغوط الداخلية.
- كما تتيح لها هذه الأزمة فرصة توسيع نفوذها في أسواق السلع الأساسية، مثل الأسمدة، بالإضافة إلى استغلال الوضع لتقويض النقد الغربي لسلوكها العسكري، عبر التشكيك في ازدواجية المعايير الدولية.
إسرائيل مستفيدة أيضاً
- على الرغم من كونها طرفاً أساسياً في النزاع، فإن إسرائيل تعتبر أيضاً من المستفيدين، حيث أسهمت الضربات العسكرية في إضعاف البنية العسكرية الإيرانية والحد من قدرة طهران على تهديدها عبر حلفائها الإقليميين.
- قد توفر هذه الحرب أيضاً دفعة لحكومة بنيامين نتنياهو، على الرغم من تأثيرها المحدود، وذلك في سياق اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
فرص وتحديات أمام الصين
- تمتلك الصين وضعاً معقداً، حيث تواجه ضغوطاً اقتصادية على المدى القصير نتيجة اضطرابات إمدادات الطاقة وارتفاع أسعارها، لكنها تمتلك أدوات للتكيف، مثل تنوع مصادر الطاقة والاعتماد المتزايد على الفحم والطاقة المتجددة.
- على المدى الطويل، قد تتحول بكين إلى مستفيد استراتيجي، من خلال استغلال تراجع الثقة في السياسة الأميركية لتعزيز نفسها كشريك أكثر استقرارًا، بالإضافة إلى توسيع نفوذها في مجالات الطاقة النظيفة والتكنولوجيا، في ظل التحول العالمي بعيدًا عن الوقود الأحفوري.
الشعب الإيراني في المخنق
- على الجانب الآخر، يعاني الشعب الإيراني من الآثار الأكبر لهذه الحرب، حيث ترتفع أعداد الضحايا وتتدهور الأوضاع الإنسانية.
أوروبا.. خسائر متنوعة
- تعتبر أوروبا من بين أبرز الخاسرين، حيث تواجه تداعيات اقتصادية وأمنية متعددة تؤثر على استقرارها؛ فارتفاع أسعار الطاقة يزيد من الضغوط على اقتصاداتها.
- كما يؤدي ضعف قواعد القانون الدولي إلى تراجع البيئة الأمنية التي كانت تعتمد عليها لعقود، وتتنافر الأزمات السياسية الداخلية بسبب تداعيات عدم الاستقرار في إيران.
- أوكرانيا تجد نفسها في موقف أكثر هشاشة، إذ تؤدي الحرب إلى تحويل الموارد العسكرية الأميركية بعيداً عنها، وخصوصاً أنظمة الدفاع الجوي، ما يضعف قدرتها على مواجهة الهجمات الروسية، وهو تحول يعكس كيف يمكن للصراعات الإقليمية أن تعيد ترتيب أولويات القوى الكبرى على حساب حلفائها.
الولايات المتحدة
- على الرغم من دورها القيادي في النزاع، تبدو الولايات المتحدة من بين الخاسرين على المدى المتوسط، إذ ترتفع التكلفة المالية المباشرة، إضافة إلى الأثر السلبي على الاقتصاد المحلي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.
- تآكل “القوة الناعمة” الأميركية وتوتر العلاقات مع الحلفاء يُضعف من موقع واشنطن العالمي، خاصة مع تصاعد الانتقادات لفقدانها رؤية استراتيجية واضحة لإدارة تداعيات الحرب.
يشير التقرير إلى أن هذه الحرب تكشف عن خلل عميق في إدارة الصراعات الدولية، حيث يبدو أن الرابحين الحقيقيين هم خصوم الغرب الاستراتيجيون، وفي مقدمتهم روسيا، بينما تتحمل القوى الغربية وحلفاؤها تكلفة سياسية واقتصادية متزايدة، ومع غياب أفق واضح لنهاية النزاع، تزداد المخاطر بأن تتحول هذه الحرب من مواجهة محدودة إلى أزمة ممتدة تعيد تشكيل النظام الدولي بكامله.
الجميع يخسر
يؤكد المدير التنفيذي لشركة VI Markets، الدكتور أحمد معطي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، أن الاقتصاد العالمي يتكبد خسائر جسيمة خلال فترات الحروب، مشيراً إلى أن “جميع الدول خاسرة بمعنى الكلمة، حتى وإن بدا للبعض عكس ذلك” .
يوضح معطي أن الولايات المتحدة قد تبدو مستفيدة نسبياً، خاصة في ظل تصريحات دونالد ترامب المتكررة حول تحقيق مكاسب، وهو ما يجعلها واحدة من أكبر منتجي ومصدري النفط عالمياً، إلى جانب النشاط المكثف في قطاع الصناعات العسكرية، ومع ذلك، يشدد معطي على أن هذه المكاسب لا تلغي الخسائر، خصوصاً في علاقاتها الجيوسياسية، وزيادة حجم الديون، بالإضافة إلى حالة الغضب الداخلي التي تُترجم في احتجاجات المواطنين .
يضيف أن الحروب بطبيعتها تخلق رابحين وخاسرين، مشيرًا إلى أن قطاع الصناعات العسكرية في الولايات المتحدة يأتي في مقدمة المستفيدين، حيث شهدت نمواً ملحوظاً وزيادة في وتيرة الإنتاج، خاصة لدى شركات كبرى مثل Lockheed Martin، التي تعمل على رفع طاقتها الإنتاجية وتعزيز مخزونها من الأسلحة .
كما يُعتبر قطاع الطاقة، تحديداً في الدول المنتجة للنفط، مثل الولايات المتحدة، من بين أبرز المستفيدين أيضاً، بينما تعاني قطاعات الترفيه والسياحة والدول الناشئة من أكبر الأضرار بسبب الضغوط على العملات وارتفاع تكاليف الطاقة .
يؤكد أيضًا أن قطاع الطيران يُعتبر من أكبر الخاسرين أثناء الأزمات العالمية، نظراً لحساسيته الشديدة تجاه أسعار الوقود، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف التأمين وتراجع الطلب على السفر، مما يُسبب خسائر كبيرة لشركات الطيران خلال فترات التوتر والحروب.
القطاعات الاقتصادية والشركات
في سياق متصل، يشير تقرير لـ Economist إلى أن:
- الحرب تُنتج فائزين وخاسرين بين الشركات .
- ارتفاع الأسعار يُعتبر خبراً ساراً لقطاع النفط والغاز، على الأقل على المدى القصير .
- في وول ستريت، شهدت أسهم الشركات المدرجة في القطاع ارتفاعاً في المتوسط بأكثر من 8 بالمئة منذ 27 فبراير .
- في الجهة الأخرى، تعاني شركات الطيران ومشغلو الرحلات البحرية، حيث تخلت معظم شركات الطيران في أميركا منذ فترة طويلة عن التحوط من تكاليف الوقود باستخدام العقود الآجلة .
- انخفض سعر سهم الخطوط الجوية الأميركية بنسبة 20 بالمئة منذ نهاية فبراير، بينما انخفض سعر سهم يونايتد بنسبة 13 بالمئة، وارتفع سعر سهم دلتا، الأكثر تحصينًا، والذي يمتلك مصفاة في بنسلفانيا تُزوّدها بثلاثة أرباع وقودها المحلي، بنسبة 3 بالمئة .
- شهدت الشركات التي تعتمد على الإنفاق التقديري، مثل تشيبوتلي، سلسلة مطاعم مكسيكية سريعة، ونايكي، شركة الملابس الرياضية، وويليامز سونوما، التي تبيع أدوات مطبخ فاخرة، خسائر تتراوح بين 12 و15 بالمئة من قيمتها منذ نهاية فبراير .
بشكل عام، يتوقع المستثمرون أن تواجه الشركات تكاليف أعلى وأن يتجه المستهلكون نحو الإدخار .
يضيف التقرير: “الارتفاع المستمر في أسعار الوقود سيؤثر بشكل كبير على شركات صناعة السيارات، إذ انخفضت أسهم شركتي فورد وجنرال موتورز بنسبة أقل منذ بداية الحرب”، مما يعكس جزئياً الضغط المتوقع على مشتري السيارات المحتملين، وقد يشير أيضاً إلى مستقبل أقل اعتماداً على البنزين .
ارتفعت أسهم شركة BYD، الرائدة في مجال السيارات الكهربائية في الصين، بنسبة 15 بالمئة منذ بداية الحرب، بينما زادت أسهم شركة CATL، إحدى كبرى شركات تصنيع البطاريات، بنسبة أكبر .
“المستهلك” الضحية الأبرز
من جانبها، تؤكد خبيرة أسواق المال، حنان رمسيس، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، أن الحروب، بمختلف أشكالها، تترك آثاراً اقتصادية واجتماعية قاسية، مشيرة إلى أن المواطن العادي، خاصة الطبقة الوسطى، يصار إلى أن يكون الخاسر الأكبر .
توضح أن هذه الفئات تتحمل تبعات القرارات السياسية، مثل ارتفاع الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية، بالإضافة إلى نقص السلع والخدمات أو احتكارها لصالح فئات معينة .
تتناول تداعيات الحروب الاضطرابات في أسعار العملات وارتفاع تكاليف المعيشة، مما يزيد من الضغوط على الطبقات الأكثر ضعفاً في المجتمع .
وفي المقابل، تشير إلى أن المستفيدين غالباً ما يكونون من شركات الأسلحة وقطاع الدفاع بشكل عام، بالإضافة إلى المستثمرين ذوي الملاءة المالية العالية الذين يمتلكون القدرة على المخاطرة واتخاذ قرارات سريعة في أوقات حرجة .
تلفت رمسيس إلى أن الطبقات العليا تبقى الأقل تأثراً بهذه الأزمات، نظراً لقدرتها على التنقل السريع بين الأسواق والمناطق، وتجنب بؤر التوتر، بالإضافة إلى امتلاكها أدوات استثمارية متقدمة تساعدها على قراءة المشهد الاقتصادي واستباق التحولات خلال فترات عدم الاستقرار .



