دروس من التاريخ: هل تشكل الحرب مع إيران أزمة السويس المعاصرة؟

صدر الصورة، BBC/Getty images
Article Information
تبدو الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران قبل شهر، متسمة بقدر من “الانتظام في فوضويتها”، فليس جديدًا أن تساهم منشورات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم الاضطرابات وهزّ الأسواق العالمية، وإن كانت هذه التأثيرات مؤقتة، إلا أن التعليقات التي يقدمها ترامب ليست العامل الوحيد الذي يؤثر على مسار هذه الحرب، إذ يظهر أن التاريخ يلعب دورًا كذلك، وفي الأسابيع التالية لاندلاع الصراع، لجأ الخبراء بشكل متزايد إلى الماضي لفهم الأحداث الجارية، ومحاولة استشراف توجهاتها، ويبرز ثلاث محطات تاريخية رئيسية من بين العديد من الأمثلة الأخرى.
السويس
منذ أن أطلق الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن صواريخهم على إسرائيل يوم الجمعة، في أول هجوم من نوعه منذ بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، انفتحت جبهة جديدة في الصراع، ويثير دخول الحوثيين تداعيات محتملة على الاقتصاد العالمي، إذ يمكن لهذه الجماعة استهداف الملاحة في البحر الأحمر، وخاصة قناة السويس، ورغم أن الحوثيين لا يستطيعون عمليًا إغلاق الممر المائي الحيوي الذي تمر عبره نحو 30 في المئة من حركة الحاويات العالمية وحوالي 15 في المئة من إجمالي تجارة السلع عالميًا، إلا أنهم يمتلكون القدرة على إعاقة الوصول إلى القناة بشكل كبير، بالإضافة إلى التوترات التي تثيرها إيران في مضيق هرمز، مما يجعل التأثير المحتمل على الاقتصاد العالمي كارثيًا، في ظل هذه التطورات، يشير المحللون إلى أزمة السويس التي وقعت قبل 70 عامًا، والمعروفة في مصر “بالعدوان الثلاثي”، كمثال على التداعيات الأوسع التي قد تترتب على حروب الشرق الأوسط اليوم، حيث قام الرئيس المصري جمال عبد الناصر في عام 1956 بتأميم شركة قناة السويس العالمية التي كانت تحت النفوذ البريطاني والفرنسي، مما منح مصر السيطرة على أحد أهم مسارات الملاحة والنفط في العالم، ردًا على ذلك، حاولت فرنسا وبريطانيا وإسرائيل استعادته، ولكن من دون جدوى، وقد تحوّل عبد الناصر بفعل تعامله مع أزمة السويس إلى بطل في نظر العديد من شعوب المنطقة.
بالنسبة لترامب وحليفه السابق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يقدم التاريخ إشارات تحذيرية واضحة، حيث يرى جيريمي بوين، المحرر الدولي في بي بي سي، أن “أكثر ما يلفت في تلك اللحظة أنها شكّلت نهاية فعلية لبريطانيا كقوة عالمية، فقد حافظت على نفوذ إمبراطوري في الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الأولى، وكانت تلك بداية أفولها أيضًا”، وتحمل الأساليب التي تعتمدها طهران والحوثيون اليوم، عبر تقييد الوصول إلى ممرات اقتصادية حيوية للاقتصاد العالمي، أصداءً من ردّ جمال عبد الناصر آنذاك، فعندما وصلت القوات البريطانية والفرنسية إلى الشاطئ الشمالي لقناة السويس، كان عبد الناصر قد أغرق عشرات السفن، مما أدى إلى إغلاق القناة وقطع شريان حيوي يربط أوروبا بحقول النفط في الخليج، حسب المؤرخ الأمريكي ألفريد دبليو مكوي، وتدخل الرئيس الأمريكي في ذلك الحين دوايت أيزنهاور، خشية اتساع مواجهة خطيرة في سياق الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، وأجبر بريطانيا وفرنسا على الانسحاب.
يكتب مكوي: “بحلول ذلك الوقت، كانت بريطانيا قد واجهت عقوبات في الأمم المتحدة، وكانت عملتها على حافة الانهيار، وتبددت هيبتها الإمبراطورية، بينما كانت إمبراطوريتها العالمية تتجه نحو الزوال”، ورغم أن أوجه الشبه مع الصراع الحالي ليست دقيقة تمامًا، إلا أن بوين يقول: “لا أقارن بالضرورة قوة الولايات المتحدة اليوم بما كانت عليه بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، إنما أقصد أن الدول القوية تصعد ثم تتراجع، ومع صعود الصين، إذا نظر الناس مستقبلاً إلى تراجع الولايات المتحدة، قد يكتب المؤرخون عن هذه الحرب باعتبارها محطة على هذا المسار، حربًا دخلتها من دون تفكير كافٍ في عواقبها”؛ ولتحديد التداعيات المحتملة، يُعتبر النظر إلى الدروس التي تقدمها التاريخ خلال السبعين عامًا الماضية من الأمور المفيدة.
صدمات أسعار النفط في عام 1973
خلال العقود اللاحقة، تكرر استخدام إغلاق الممرات الاقتصادية الحيوية كوسيلة لإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر، مما يجعل حدوث ذلك اليوم متوقعًا، ومن أبرز الأمثلة ما حدث بعد أقل من عشرين عامًا على أزمة السويس، حيث اندلعت حرب بين إسرائيل ومصر وسوريا عام 1973، وكان الهجوم مفاجئًا من المصريين والسوريين، فيما عرف بحرب أكتوبر (يوم الغفران)، وقد ضخت الولايات المتحدة كميات كبيرة من الأسلحة لإسرائيل، وفي رد من العالم العربي، تم فرض حظر نفطي أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير، مما أحدث أضرار واسعة في أوروبا الغربية، وكان وزير النفط السعودي آنذاك، الشيخ أحمد زكي يماني، قد أكد في عام 1973 كيفية استخدام الموارد مثل النفط، وتأثيرها على الأسواق العالمية، كأداة نفوذ، واصفًا تحكم الدول العربية الكبيرة في الإنتاج بأنه “سلاح نفطي” يمكن أن يؤدي إلى “انهيار” سريع في اقتصادات العالم، استمر الحظر مدة خمسة أشهر، لكن تأثيره امتد لسنوات طويلة، فقد شهدت الولايات المتحدة ودول أخرى تعتمد بشكل كبير على النفط ارتفاعًا حادًا في معدلات التضخم، مع زيادة أسعار الفائدة في سعي البنوك المركزية إلى احتواء ارتفاع تكاليف المعيشة.
رغم أن النفط لم يعد يهيمن على الاقتصاد العالمي كما كان قبل أكثر من خمسين عامًا، مع تراجع حصته من الطلب العالمي وزيادة الاستثمار في مصادر طاقة متنوعة، إلا أنه لا يزال مورداً أساسيًا، وتقدم أحداث عام 1973 وما تلاها دروساً مهمة لترامب، فرغم أن الولايات المتحدة تنتج اليوم طاقة أكثر مما تستهلك، بخلاف ما كان عليه الحال قبل نصف قرن، فإنها ما زالت تستورد كميات كبيرة من النفط الخام، وتظل عرضة لتقلبات أسعار السوق العالمية، مما ينعكس في النهاية على المستهلكين الأمريكيين، كما قد تتأثر الولايات المتحدة بشكل غير مباشر عبر الضغوط التي تواجه شركاءها التجاريين الرئيسيين في آسيا، الذين لا يملكون تنوعًا كبيرًا في مصادر الطاقة، وكانوا من الأكثر تأثرًا بالنقص الحالي في النفط، ويؤكد بوين: “ما يحدث الآن ليس أن السعودية والإمارات وغيرهما قرروا عدم بيع نفطهم لعملائهم في أوروبا، بل إن إيران، وربما الحوثيين أيضاً، يجعلون وصول هذه الإمدادات إلى الأسواق أكثر صعوبة، النفط بالغ الأهمية، وأي انقطاع في هذه الإمدادات سيؤدي إلى اضطراب واسع على مستوى العالم”.
الحرب الإيرانية-العراقية
يعتبر مؤرخون أن الحرب بين إيران والعراق، التي طغت أحداثها على ثمانينيات القرن الماضي، تقدم لترامب أمثلة حديثة ودالة على كيفية تمكّن خصوم واشنطن من تعطيل الممرات الاقتصادية الحيوية، خلال المرحلة الأخيرة من تلك الحرب، تعرضت الملاحة في مضيق هرمز للاستهداف من قبل كل من طهران وبغداد، في محاولة، كما يشير محللون، لجر القوى العالمية إلى الصراع، وبحلول منتصف إلى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بلغت الهجمات مستوى من الشدة دفع الكويت إلى طلب مساعدة دولية لتأمين عبور سفنها عبر الممر المائي، حيث وافقت واشنطن على تقديم تلك المساعدة، خشية أن تسبقها موسكو، خصمها في الحرب الباردة، وقد بدأت عملية “الإرادة الجادة” (إرنست ويل) في يوليو/تموز 1987، لمرافقة ناقلات النفط، لكنها سرعان ما تحولت إلى مصدر إحراج كبير للولايات المتحدة بعدما تعرضت الناقلة “بريدجتون”، التي كانت ضمن الحماية، لألغام إيرانية في طريقها إلى الكويت، وكشفت الحادثة عن محدودية قدرات واشنطن في إزالة الألغام بالمضيق، وهي مشكلة استمرت في التأثير على سير العملية، ومع الانتقال إلى الصراع الحالي، تبرز أوجه شبه واضحة مع دعوة ترامب الأخيرة إلى دعم العمليات من دول أخرى للحفاظ على انفتاح مضيق هرمز عبر مرافقة بحرية للسفن، لكن التحدي اليوم يبدو أكبر بالنسبة لواشنطن، بحسب محللين، مع اتساع أدوات الحرب، لتشمل، على سبيل المثال، الطائرات المسيّرة، علمًا أن إيران لم تعد منخرطة في حرب طويلة مع العراق، ويقدم التاريخ دروساً عديدة للأطراف المنخرطة في الحرب الجارية في الشرق الأوسط، وبخاصة الأطراف الرئيسية، حيث إن مدى استيعاب هذه الدروس قد يؤثر بشكل كبير على اتجهات الاضطرابات العالمية ومدتها.




