ترامب يتبع حدسه في صراع جديد، لكن هل سيحقق النجاح؟

صدر الصورة، Getty Images
Article Information
ظلت بعض الحقائق القديمة عن الحروب تتردد في الأذهان، حول مكتب البيت الأبيض، خلال الشهر الذي تلا إرسال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو لطائرات حربية أمريكية وإسرائيلية لقصف إيران، إن عدم التعلم من دروس الماضي وضع ترامب أمام خيارات صعبة، فإن كان عاجزًا عن التوصل إلى اتفاق مع إيران، فسيضطر إمّا لتصعيد الحرب أو أن يدّعي نصرًا قد لا يخدع أحدًا، وتذكرنا أقدم هذه الحقائق بتصريح الاستراتيجي العسكري البروسي هيلموت فون مولتكه الأكبر: “لا توجد خطة تصمد عند أول احتكاك بالعدو”، والذي عُرف بكتابه عام 1871، وهو عام توحدت فيه ألمانيا كإمبراطورية، وهو حدث أثر في أمن أوروبا، كما يمكن أن تؤثر هذه الحرب على أمن الشرق الأوسط بشكل أشد.
وقد يفضل ترامب الاقتباس الحديث للملاكم مايك تايسون: “كل شخص لديه خطة حتى يتعرض للكمة”، كما أن مقولة دوايت أيزنهاور، والذي قاد عملية الإنزال في نورماندي ثم أصبح رئيسًا للولايات المتحدة في خمسينيات القرن الماضي، قد تكون الأكثر ارتباطًا بترامب، فقد قال أيزنهاور: “الخطط لا قيمة لها، لكن التخطيط هو كل شيء”، مشيرًا إلى أهمية الانضباط واتباع منهجية في وضع خطط الحروب، ما يمكن من إجراء التعديلات اللازمة عند وقوع أي مفاجآت.
وبالنسبة لترامب، كان العنصر غير المتوقع هو صمود النظام في إيران، وكان يبدو وكأنه يأمل في تكرار عملية سريعة كما حدث في يناير الماضي مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، اللذين يواجهان المحاكمة حاليًا، وتظهر هذه الرغبة في تكرار النصر المحدود نقص كبير في فهم الفروق بين فنزويلا وإيران.
جاءت مقولة أيزنهاور الشهيرة خلال خطاب ألقاه عام 1957، حين قاد أكبر عملية عسكرية برمائية في التاريخ، فقد كان يدرك تمامًا النتائج الحتمية لحالات الطوارئ غير المتوقعة، فشرح أنه في اللحظات الحرجة، يجب أن تُرمى الخطط المعلنة وتتبدأ عملية جديدة، ولكن إذا لم يكن هناك تخطيط مسبق، فلن يكون هناك سبيلاً للعمل بشكل ذكي، واستمر يتحدث عن أهمية التخطيط والتفاعل مع طبيعة المشكلات.
ورغم الغارات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة، لم يتهاوى النظام في إيران، بل استمر في الردّ، مستغلًا وضعه غير المستقر، بينما يبدو ترامب وكأنه يتصرف بارتجالية دون الرجوع إلى المعلومات الاستخبارية وتفاصيل الاستراتيجيات العميقة.
نهاية الحرب بالنسبة لترامب
بعد 13 يومًا من الحرب، سُئل ترامب عن موعد انتهاء العمليات العسكرية، فأجاب بأنه لا يعتقد أنها “ستطول”، وأوضح أنه سيكون لديه شعور داخلي يؤشر على نهايتها، ويعتمد ترامب على مجموعة ضيقة من المستشارين الذين يركزون على تنفيذ قراراته، مما يجعل قول الحقيقة أمام السلطة ليس من أولوياتهم، يعتمد على غرائزه بدلاً من خطط مدروسة تمامًا، مما يسّهل تعقيد عمليات الحروب، كما أن عدم وضوح التوجيه السياسي يؤثر على فعالية القوة النارية للجيش الأمريكي.
قبل أربعة أسابيع، وضعت القيادة الأمريكية والإسرائيلية ثقتها في قصف عنيف أدى إلى خسائر فادحة، حيث قُتل 1464 مدنيًا إيرانيًا، وفقًا لمنظمة “هرانا”، كما دعت القيادة الإيرانية في مواجهة القصف الشعب الإيراني للانتفاض ضد النظام، لكن ظل النظام في طهران قائمًا، متسلحًا بإرادة مناهضة رغم التحديات.
عناد إيران
لا يزال النظام الإيراني يقاوم ويبرز عناده، حيث واجه أنصار النظام خطراً من قتل الآلاف من المتظاهرين، نتيجةً لقمعهم في العام الماضي، مما يعكس الصورة الحقيقية للسلطة الدينية في المنطقة، وقد تركت هذه الأمور أثرًا عميقًا على تكتيكاتهم الدفاعية والهجومية، حيث اعتبروا أن أي ضغوط إضافية تعني البقاء، كما أن النظام بات معتمدًا على شبكة من الحلفاء، مما يجعل زيادة الأذى غير مؤثرة بشكل كبير على استقرار النظام.
إيران قد لا تضاهي القوة النارية الأمريكية، لكنها تعزز وجودها الاستراتيجي عبر توسيع الحروب، مستهدفة الأسواق العربية والنفوذ الأمريكي، في إطار سعيها إلى قطع الإمدادات بسلاسل محدودة، وتدعم تاج القوى الخفية عبر تأسيس محور يدافع عن مصالحها الإقليمية.
نجحت إيران في فتح الأبواب أمام موجات هجومية عابرة للحدود تستند إلى نفوذها الموزع بالشكل المثالي، مما أعاد التوازن بعض الشيء في الأسعار النفطية المنقولة حول العالم، وظهر استخدام طائرات مسيرة في توجيه هجمات على مواقع استدعت التأهب، مما ساعد في تعزيز موقفهم داخل المنطقة، ويبدو أنهم يستعدون لكسر حواجز مختلطة بين النطاق السياسي والعسكري ليضمنوا بدورهم سيطرتهم على الفضاء من مضيق هرمز، مما يحمل تحذيرات عند التنسيق العسكري في السياق الناجم.
وضوح نتنياهو
وعلى عكس ترامب، فإن نتنياهو كان مبكرًا في التفكير في هذه الحرب، منذ بدء مسيرته السياسية التي أتاحت له أن يصبح أطول رؤساء وزراء إسرائيل بقاءً في منصبه، وعند بداية الحرب، أصدر بيانًا يدعو إلى إيضاح أهداف إسرائيل العملياتية، حيث أوضح أمام العامة أن الحرب المنطلقة تعني الحفاظ على مستقبل إسرائيل، ويرى نتنياهو نفسه، دائمًا، في سياق التهديد المتمثل في وجود إيران كمصدر رئيسي للتهديد.
وقد اعتبر أن التحالف مع الولايات المتحدة يمثل ضرورة حتمية لمواجهتهم، بينما كانت الرسالة موجّهة بوضوح، وبدونها كان من الصعب تصور التحركات الاستراتيجية، مما يوضح الفارق الواضح بين الاستراتيجيات التي يعتمد عليها الطرفين، في ظل العلاقات الحامية التي تربط بين واشنطن وتل أبيب.
يطمح نتنياهو لضمان مستقبل أمن إسرائيل عبر تدمير قدرات النظام الإيراني وتعطيل سياسته، ويدرك أنه يجب أن يُدعم بجميع الإمكانيات المتاحة من حلفاءه لضمان التوازن في المعادلة، مستفيدًا من الفرص المحققة في الشراكة القواتية.
حرب غير متكافئة
تحولت هذه الحرب إلى حالة نموذجية تُظهر كيف يمكن لقوتين مختلفة القيم والمعايير القتالية التفاعل، مما يعيد سياق “الحرب غير المتكافئة” إلى الواجهة، ومع الوقت، قد يتضح أن الأحداث الحالية قد تؤدي إلى أوجه تشابه مع تجارب سابقة كانت للولايات المتحدة تجاه صراعات معينة قد انتهت بهزائم قاسية، حيث يجب الأخذ بالاعتبار أن القرارات اللاحقة قد تحدد إلى أي مدى ستستمر تصعيد الأزمة.
إذا لم يتم الوصول إلى اتفاق فيما بين الأمريكيين والإيرانيين، يوحي بأن ترامب قد يتجه إلى خيارات محدودة، منها إعلانه عن انتصار زائف، مما قد ينبئ بكارثة تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، لذلك، بما أنه مهيأ لرفع درجة التصعيد، نجد أن الوضع قد يتطلب الموضوعية وإعادة التفكير مرارًا، لتحقيق التوازن وتحقيق السلام، إذ أن الخسائر الناجمة عن تلك الحروب قد تؤثر بشكل كبير على العالم المقام في ظل التغيير، مما يحمل من رسالة تدعو لجعل الحلول السلمية في المقدمة.




