الخطر الخفي والكأس الضائع.. لماذا يحث المتخصصون على الحذر من الاقتحام الإيراني؟

بعد شهر كامل من تبادل الرسائل الهجومية الجوية والصاروخية مع إيران، تجد واشنطن نفسها اليوم أمام خيار استراتيجي قد يعدل ملامح المنطقة لعقود قادمة، وذلك مع تسريبات عسكرية جديدة من دوائر البنتاجون تتحدث عن أكثر السيناريوهات رعبًا وتعقيدًا: ماذا لو قررت الولايات المتحدة تنفيذ غزو بري محدود في العمق؟
تحول هذا التساؤل من مجرد فرضية بحثية إلى واقع مدعوم بتحركات ميدانية مكثفة، وتجهيز آلاف الجنود للنزول إلى الأرض، متناقضًا مع وعود الرئيس دونالد ترامب بإنهاء الحروب الخارجية الأمريكية، فساكن البيت الأبيض – المعروف بغطرسته ولهجته الحادة تجاه أعدائه وحلفائه على حد سواء – انغمس تمامًا في صراع لا يعرف كيفية إنهائه، مما قد يدفعه إلى إنهائه بالطريقة الصعبة.
ولكن، هل ستكون هذه الطريقة صعبة على إيران أو المنطقة، أم على الولايات المتحدة نفسها؟
ماذا نعرف عن كواليس التحشيد لغزو إيران؟
في تقرير نُشر مؤخرًا، استعرضت صحيفة “وول ستريت جورنال” دلالات وتفاصيل نشر 17 ألف جندي أمريكي في محيط المسرح الإيراني، موضحةً أن البنتاجون لا ينوي القيام بغزو شامل كما حدث في 2003 مع العراق، بل يستعد لحرب استنزاف برية طويلة الأمد.
تتوافق هذه المعلومات مع تسريبات نقلتها شبكة “الجزيرة” وتقارير استخباراتية غربية، تؤكد أن وزارة الدفاع الأمريكية تعد هذه القوات لعمليات برية معقدة تستمر لعدة أسابيع، تعتمد بصورة رئيسية على وحدات إنزال نخبوية، مثل المظليين من الفرقة 82 المحمولة جوًا، الذين كُلفوا بمهام لاختراق خلف خطوط العدو.
أما بالنسبة لبنك الأهداف التكتيكية المحتمل، فتشير مراكز الأبحاث العسكرية الكبرى إلى أن التقييمات الجيوستراتيجية تتوقع استهداف نقاط اختناق حيوية قد تشل الاقتصاد الإيراني، بما في ذلك السيطرة المفاجئة على جزيرة “خرج”، التي تعتبر الأهم في تصدير النفط الإيراني.
إلى جانب الأهداف الاقتصادية، تبرز التحليلات العسكرية أيضًا أن العجز في القصف الجوي منذ بداية الحرب في تدمير المنشآت النووية المحصنة في الجبال هو ما أجبر البنتاجون على التفكير في إرسال فرق برية متخصصة لتقليل المخاطر من الداخل.
ومع ذلك، يبدو أن حالة من التخبط والفزع تعصف بأروقة المخابرات العسكرية الأمريكية حاليًا، حيث تبرز صحيفة “الجارديان” البريطانية أن المخطط المزمع للبنتاجون وُلِد في بيئة تعاني من “فوضى وغياب الهدف الواضح”، محذرين من أن الدخول في حرب برية دون استراتيجية خروج محددة قد يُعطل القدرات العسكرية الأمريكية لعقود قادمة.
هذا القلق يعكس إدراكًا متزايدًا بأن القيادة السياسية تدفع الجنود نحو مغامرة عسكرية تفتقر إلى التخطيط اللوجستي الدقيق المطلوب للمواجهات المباشرة.
لماذا يعد التوغل البري كارثة تكتيكية؟
ويفند هاريسون مان، الضابط السابق في وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية، من خلال شبكة “Democracy Now” هذه الكارثة التكتيكية القادمة، واصفًا خطوة التوغل بـ”مهمة انتحارية” تفتقر إلى الفهم الدقيق لطبيعة المسرح الإيراني المعقد.
ويحذر مان من أن الأراضي الإيرانية الواسعة وسلاسل جبال زاجروس الشاقة، المدمجة مع شبكة كبيرة من التحصينات الساحلية والأنفاق التكتيكية (مدن الصواريخ تحت الأرض)، تجعل أي تقدم للجيش الأمريكي كابوسًا عسكريًا. وهذه الجغرافيا المعرقلة، والتي بدت قادرة على محو أي تفوق تكنولوجي أمريكي، قد تعرض حياة آلاف الجنود للخطر عبر تكتيكات حرب العصابات والكمائن المميتة.
فخ الأرض والقنابل القذرة
تتجلى الخطر الحقيقي للتوغل البري من التحذيرات الاستخباراتية التي أطلقها خبراء، مثل أندرو بوستامانتي، العمَل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA).
يقول إن الهجوم الإيراني القاتل “لم يبدأ بعد”، مشيرًا إلى أن القيادة العسكرية الإيرانية بانتظار هبوط القوات الأمريكية على الأرض لتفعيل شبكة معقدة من الكمائن، تعتمد أساسًا على أسلحة غير تقليدية تم زراعتها مسبقًا في الخنادق ومناطق الهبوط، مثل “القنبلة القذرة”.
تُعرف “القنبلة القذرة” عسكريًا باسم “جهاز التشتت الإشعاعي” (RDD)، وهي ليست سلاحًا نوويًا معقدًا، بل قنبلة تدمج متفجرات تقليدية مثل الديناميت مع مواد مشعة متاحة من النفايات الطبية أو الصناعية.
وفقًا لهيئة التنظيم النووي الأمريكية (NRC)، لا تمتلك هذه القنابل قدرة تدميرية مثل الانفجار النووي، بل يكمن خطرها بقوة في كونها سلاحًا نفسيًا واقتصاديًا شاملًا، حيث تتولى المتفجرات التقليدية عملية نثر الغبار الإشعاعي في منطقة الانفجار.
تؤكد تقارير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) أن الجيوش النظامية تتجنب هذا السلاح لضعف دقته، لكن يظل سلاحًا مثاليًا لتعطيل تقدم الجيوش الغازية وخلق مناطق عزل إشعاعي تكلف الغزاة مليارات الدولارات في عمليات التطهير الطبي والبيئي.
متلازمة أفغانستان وحرب الاستنزاف
تتجاوز مخاوف البنتاجون حدود الأسلحة الإشعاعية لتصطدم بكابوس تاريخي يُعرف ب”متلازمة أفغانستان” أو فخ الأحد عشر عامًا.
يطرح خبراء الاستخبارات فرضية مرعبة، مفادها أن الولايات المتحدة نجحت في اغتيال أسامة بن لادن في عام 2011، لكنها عانت من الاستنزاف العسكري والمالي المستمر حتى انسحابها الكارثي في ما بعد.
على مقياس حرب أفغانستان، يبقى الغزو البري المحتمل لإيران، حتى إذا كان محدودًا ونجح تكتيكيًا في السيطرة على جزر أو إسقاط أهداف حيوية، دون جدوى، إذ لن يؤدي إلى استسلام طهران، بل قد يكون بداية لحرب استنزاف طويلة تديرها خلايا نائمة وميليشيات بالوكالة ستعمل خلف خطوط العدو لسنوات.
ترتبط هذه الحرب بمعادلة اقتصادية صارمة من شأنها كسر ميزانية الدفاع الأمريكية وحلفائها. إذ كشفت الأسابيع الأولى من الحرب الجوية عن خلل كبير في موازين التكلفة، حيث تضطر الأنظمة الدفاعية الغربية لإطلاق صواريخ اعتراضية متقدمة تصل تكلفتها إلى 25 ضعف تكلفة الطائرة الإيرانية المسيرة الانتحارية التي يتم اعتراضها.
ومع بدء التوغل البري، ستتضاعف هذه الكارثة الاقتصادية بشكل كبير، مما يجبر واشنطن على تأمين خطوط إمداد طويلة وتوفير دعم جوي مستمر ضد الطائرات المسيرة والمدفعية الرخيصة.
جبهة السايبر والحرب النفسية
بالتوازي مع التجهيز لحرب العصابات، نفذت طهران مؤخرًا ضربة ضد المؤسسة الأمنية الأمريكية عبر قنبلة ضوء، قد لا تكون بالأهمية الاستخباراتية الكبيرة، لكنها تحمل أثرًا نفسيًا. فقد استهدفت مجموعة “فريق هندالة للقرصنة” بنجاح البريد الشخصي لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) كاش باتيل.
أسفر هذا الاختراق عن تسريب أكثر من 300 رسالة بريد إلكتروني من الفترة بين 2010 و2019، بالإضافة إلى وثائق وصور شخصية حساسة.
ورغم تأكيد مكتب التحقيقات الفيدرالي بعدم تأثير الاختراق على الشبكات الحكومية الرسمية، إلا أن تسريب هذه البيانات في توقيت متزامن مع التحشيد للغزو يعني أنها تكتيك إيراني مدروس.
لم تقتصر هذه الحرب النفسية على كبار المسؤولين، بل توسعت لتشمل تلاعبًا واسع الرؤية بالرأي العام في الفضاء الرقمي.
وقد رصدت وكالات الأمن الغربية هجمات موجهة من آلاف الحسابات الوهمية ولجان إلكترونية إيرانية، تستهدف الصحفيين وصناع المحتوى الغربيين بهدف نشر حالة من الخوف حول التكلفة البشرية للغزو وتأليب الرأي العام ضد قرارات البنتاجون.
يتزامن هذا الضغط النفسي مع تهديدات مباشرة من الحرس الثوري الإيراني بضرب البنية التحتية الحيوية لأي دولة إقليمية تساعد القوات الأمريكية، بل والتلميح باستهداف الجامعات والمراكز البحثية في الولايات المتحدة ذاتها.
الكأس المفقود.. ماذا لو سقط في يد الإرهاب؟
تمتد الكارثة إلى ما هو أبعد من حرب الاستنزاف التقليدية لتشمل تهديدًا وجوديًا للأمن العالمي.
وفقًا لتقرير تحذيري نشرته وكالة “بلومبرج” مؤخرًا، فإن التوغل البري قد يفتح الباب لعصر جديد من الانتشار النووي المقلق. هناك تقديرات تشير إلى أن طهران تمتلك أكثر من 440 كيلو جرامًا من اليورانيوم المخصب بدرجات عالية، قريبة من مستوى التسلح.
يظهر تهديد كارثي: فإذا نجحت القوات الأمريكية في إحداث انهيار مفاجئ للنظام الإيراني، فإن هذا الفراغ الأمني سيؤدي إلى غياب الرقابة عن هذا المخزون النووي، مما يسهل احتمالية تسربه إلى أيدي الميليشيات المسلحة، ويحول التهديد من “قنابل قذرة” محلية إلى “قنابل نووية بدائية” قابلة للاستخدام في أي عاصمة غربية.
من جهة أخرى، فإن الغزو البري لتحجيم إيران من امتلاك القنبلة النووية قد يتسبب في نتائج عكسية، إذا ما فهمت دول مثل كوريا الشمالية الرسالة على أنها نقض للردع النووي. وهذا قد يدفع العلماء الإيرانيين المتواجدين في منشآتهم المحصنة إلى اتخاذ قرار يائس بتجميع قنبلة نووية قبل وصول القوات الأمريكية، مما يحول الغزو من عملية استباقية إلى “فتيل انفجار” لسباق تسلح نووي عالمي لا يمكن السيطرة عليه، كما حذر الخبراء.




